في الرؤية الإسلامية فى الإصلاح‏:‏ التدرج ـ في الكون وفي الاجتماع‏

sshot-4

كتب دكتور محمد عمارة فى الاهرام هذه المقالة عن  الرؤية الإسلامية فى الاصلاح ‏:‏ التدرج ـ في الكون وفي الاجتماع‏

.. في التقدم وفي التراجع ـ سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل.
فالله ـ سبحانه وتعالي ـ خلق السموات والأرض في ستة أيام من أيام الله, خلق الأرض في يومين] ثم, جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها] في تمام, أربعة أيام] أما السماوات, فقضاهن سبع سموات في يومين].
وكذلك كانت سنة التدرج في خلق الانسان الأول, بدأت بالتراب, الذي أضيف إليه الماء, فصار طينا, ثم تحول هذا الطين إلي حمأ ـ أسود ـ مسنونا ـ أي منتنا بسبب التغير, فلما يبس هذا الطين, دون أن تمسه نار, سمي صلصالا, يحدث صوتا ورنينا بسبب يبسه. وبعد هذه المراحل المتدرجة في خلق الجانب المادي لهذا الكائن, نفخ الله فيه من روحه فغدا إنسانا, هو آدم عليه السلام.
وفي النبوات والرسالات, التي مثلت لطفا إلهيا لهداية الإنسان وسعادته في المعاش والمعاد, كانت سنة التدرج حاكمة أيضا, فلقد واكبت شرائح الدين الإلهي الواحد مراحل تطور الإنسان, حتي إذا بلغ سن الرشد جاءت الشريعة الخاتمة التي صدقت بكل النبوات والرسالات والكتب, والتي مثلت التمام لمكارم الأخلاق.. وجاءت المعجزة العقلية التي ناسبت بلوغ الإنسان سن الرشد, بدلا من المعجزات المادية والخوارق التي كانت تدهش العقول.
بل إن الشريعة الإسلامية ذاتها قد اكتملت بالتدريج.. فالمواريث شرعت سنة3 هـ ـ أي بعد ستة عشر عاما من بدأ الدعوة ـ.. ونظام الأسرة قد اكتمل سنة7 هـ ـ أي عبر عشرين عاما من بدء الدعوة ـ.. والقوانين الجنائية اكتملت سنة8 هـ أي عبر واحد وعشرين عاما من عمر الدعوة ـ.. وتشريع الخمر, بدأ بالذم, ثم التحذير,, ثم التحريم القاطع سنة8 هـ ـ أي في العام الواحد والعشرين من عمر الدعوة ـ.. وتحريم الربا قد جاء سنة9 هـ ـ أي بعد قيام النظام الإسلامي البديل ـ وأزيلت بقاياه في حجة الوداع سنة10 هـ.

وفي الاجتماع الإنساني, أكدت الرؤية الإسلامية سنة التدرج. فعلي حين تري الرؤية الوضعية الغربية أن التقدم خط صاعد دائما, وأن التخلف خط هابط أبدا, تؤكد الرؤية الإسلامية سنة التدرج والتداول والدورات.. وفي حديث رسول الله ـ صلي الله عليه وسلم ـ التعبير عن المنهاج الاسلامي في التدرج والتداول والدورات,, يقول: لا يلبث الجور بعدي إلا قليلا حتي يطلع, فكلما طلع من الجور شيء ذهب من العدل مثله, حتي يولد في الجور من لا يعرف غيره.. ثم يأتي الله ـ تبارك وتعالي ـ بالعدل, فكلما جاء من العدل شيء ذهب من الجور مثله, حتي يولد في العدل من لا يعرف غيره.. رواه الإمام أحمد ـ.
ولقد أكد التاريخ الإسلامي صدق هذه الفلسفة ـ فلسفة التدرج ـ في التقدم والتخلف, في النهوض وفي التراجع. فقواعد الإصلاح لا تنقض ولا تسقط دفعة واحدة, وأنما تنقض ـ كما قال الرسول صلي الله عليه وسلم ـ عروة عروة.. وكذلك الحال في التغيير الذي يزيل الفساد.. وفي الإصلاح الذي يحل الصلاح محل الفساد. ولأن تحول الخلافة الراشدة الكاملة إلي خلافة ناقصة وملك عضود قد نقص ـ في إطار الدولة ـ عروتي الشوري والعدل الاجتماعي, وبالتدرج, فلقد كان الإصلاح والتجديد الذي قام به خامس الراشدين عمر بن عبدالعزيز سالكا ـ أيضا ـ سنة التدريج.
ولقد تحدث عمر بن عبدالعزيز عن حدوث هذا التراجع عن العدل الاجتماعي بالتدرج.. كما تحدث عن منهاجه المتدرج في التغيير والإصلاح..

فقال عن تراجع العدل, في دولة الملك العضود ـ: إن الله ـ تبارك وتعالي ـ بعث محمد ـ صلي الله عليه وسلم ـ رحمة الي الناس كافة, ثم اختار له ما عنده فقبضه إليه, وترك للناس نهرا شربهم فيه سواء. ثم قام أبوبكر فترك النهر علي حاله. ثم ولي عمر فعمل علي عمل صاحبه. فلما ولي عثمان اشتق من النهر نهرا, ثم ولي معاوية فشق منه الأنهار. ثم لم يزل ذلك النهر يشق منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان, حتي أفضي الأمر إلي وقد يبس النهر الأعظم, ولن يرو أصحاب النهر حتي يعود إليهم النهر الأعظم كما كان عليه. وكما كان التراجع عن العدل بالتدريج, أخذ عمر بن عبد العزيز ـ في ثورته الاصلاحية ـ يعيد العدل إلي مكانه بالتدريج أيضا.. فلقد بدأ ـ في رد المظالم ـ بنفسه.. ثم بزوجه.. ثم بأمراء بني أمية.. ثم عمم الإصلاح في الأمة جمعاء.. لقد أعلن: إن أهلي أقطعوني ما لم يكن لي أن آخذه, ولا لهم أن يعطونه, فكان القدوة والأسوة في إعادة العدل الاجتماعي إلي نصابه من جديد.. ولقد سلك في ذلك سنة التدرج, فكان في كل يوم يحيي سنة ويميت بدعة.. وفي ذلك قال المؤرخون له: مازال يرد المظالم منذ يوم استخلف إلي يوم مات.
وحتي مع هذا التدرج, فلقد واجه المصاعب الجمة والتحديات الشرسة من الذين احتازوا ثروة الأمة واحتكروها من دون الناس.. ولقد عبر عن الإصرار علي مواجهة هذه التحديات فقال: لو كان كل بدعة يميتها الله علي يدي, وكل سنة ينعشها الله علي يدي ببضعة من لحمي حتي يأتي آخر ذلك علي نفسي, كان في الله يسيرا!.
ولم يسلم الواقع الاجتماعي.. في عهد عمر بن عبد العزيز ـ من المتعجلين الذين يريدون تحقيق كل المقاصد دفعة واحدة, غير مدركين الحكمة العظيمة من وراء سنة التدرج في الإصلاح, وغير واعين بأن العجلة ربما هدمت مخطط الإصلاح وسلمه من الأساس!.. ولقد كان ابنه واحدا من هؤلاء المتعجلين, فقال لأبيه: يا أبت, مالك لا تنفذ في الأمور؟! فو الله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور!. وفي مواجهة منطق العجلة هذا جاء رد الخليفة العادل كاشفا عن الحكمة من وراء سلوك سنة التدرج في الإصلاح, فقال لابنه: لا تعجل يابني, فإن الله تعالي ذم الخمر في القرآن مرتين وحرمها في الثالثة. وأنا أخاف أن أحمل الناس علي الحق جملة فيدعوه جملة, وتكون من فتنة!.
بل لقد كشف عمر بن عبد العزيز عن آفاق واسعة لإيمانه بسنة التدرج في الإصلاح, وذلك عندما أعلن أنه ـ في بعض الأحيان ـ يقدم إغراءات وحوافز مادية لتعيين الناس علي تحمل المشاق التي تفرضها عملية الإصلاح, فقال: إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرا من العدل, فأخاف الا تحتمله قلوبهم, فأخرج معه طمعا من طمع الدنيا, فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلي هذا!.
وكما صنع عمر بن عبد العزيز علي جبهة العدل الاجتماعي صنع علي جبهة الشوري, فعزم علي طي صفحة التوريث للسلطة, بإعادة الأمر شوري بين الناس.. وإذا كان الأجل لم يمهله ليصنع ذلك, فلقد أفتي فلاسفة معاصرون له بأن رضي الأمة عن هذا الخليفة العادل قد قام مقام الشوري والبيعة والاختيار له خامسا للخلفاء الراشدين.
هكذا استوت سنة التدرج في الاصلاح قاعدة متبعة.. وهكذا وضعت في الممارسة والتطبيق.
في العصر الحديث والواقع المعاصر.. وفي مواجهة المتعجلين الذين يظنون أن استكمال إسلامية المجتمعات الإسلامية إنما يتم دفعة واحدة, دونما حساب لتهيئة هذه المجتمعات, ودونما تكوين لآليات هذا الإصلاح.. في مواجهة هؤلاء المتعجلين, ذوي الإخلاص والنيات الحسنة, قال العلامة أبو الأعلي المودودي: إن الانجليز قد صرفوا قرنا كاملا في تبديل نظامنا القانوني. بدلوا نظام حياتنا أولا شيئا فشيئا, واعدوا رجالا يتفكرون ولا يعملون إلا حسب نظرياتهم وأفكارهم, وعملوا عملا متواصلا علي تغيير أذهان الناس وأخلاقهم ونظامهم الاقتصادي.. لقد وضعوا قوانينهم مكان القوانين القديمة, وغيروا نظام البلاد الاجتماعي. ونحن إذا كنا نريد إقامة الدولة الإسلامية, فلابد أن نتنبه للقاعدة الفطرية التي لا تقبل التغيير,وهي أنه لا يحدث الانقلاب في الحياة الاجتماعية الا بالتدريج, فكل انقلاب فوري متطرف يكون بددا, وإن الذين يظنون أن جميع القوانين القائمة ستلغي دفعة واحدة, وينفذ مكانها القانون الإسلامي فجأة بمجرد إعلان تغيير الحكومة, هم لا بصر لهم بالمسائل العملية. وما إحداث الانقلاب عندهم في النظام الاجتماعي إلا كلعبة الأطفال!. أو هم يتمنون أن يحصدوا زرعهم بعد غرسه علي الفور!.
هكذا استوي المنهاج الاسلامي في التدرج: سنة وقانونا.. وهكذا وضع هذا المنهاج في الممارسة والتطبيق ـ قديما.. وفي الفكر الاسلامي الحديث.

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي, دعوى. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s