عقد الأخوة ومبدأ الشورى وعلم الاجتماع… يشهدون لقيادة الإخوان

8647

بقلم: لطفي محمد الذوقة

قبل عشرين عامًا يوم كنت طالبًا في كلية التربية ببنها، وفي إحدى محاضرات علم الاجتماع وجدت نفسي أنزع ورقة خارجية وأسجل فيها ما كان يقوله الدكتور عن عوامل تماسك الجماعات وفق نظريات علم الاجتماع، ولا أدري وقتها لماذا سجلت هذه الورقة، وظللت محتفظًا بهذه الورقة طيلة هذه المدة وسط مجموعة أوراق كنت أسجل عليها ملاحظاتي، واليوم تذكرت هذه الورقة وتذكرت المحاضرة كأنها الآن، فأحضرت الورقة وأنا أكتب منها الآن ما سجلته من قواعد في علم الاجتماع وهي:

عوامل تماسك وترابط الجماعات يعتمد على عدة أمور منها:

1- حجم الضغوط التي تمارسها الجماعة على أعضائها للتمسك بقيم وقرارات الجماعة.

2- حجم العقوبات التي تتخذها الجماعة ضد المخالفين.

3- نوعية الرابط الذي يربط أفراد الجماعة ومدى قناعة الأفراد به.

ولقد تأملت هذه العناصر الثلاثة فوجدت كل الجماعات والأحزاب التي تعمل على الساحة تلتزم بها، ويصفق لهم عند تنفيذها إلا الإخوان المسلمون فإنهم حين يطبقون هذه القواعد العلمية تصبح سبة في حقهم وعارًا على جبينهم، ويُتهمون بمصادرة الرأي وبالممارسة التعسفية لمبدأ السمع والطاعة، فحين تتخذ الجماعة رأيًّا شوريًّا بعدم خوض انتخابات الرئاسة لاعتبارات داخلية وخارجية بدأ يتضح بعضها لكل ذي نظر- وكان منها ما ورد في خطاب رئيس الوزراء عن حصار خفي للمنتجات المصرية- أو عدم تأييد مَن يخرج على الجماعة ويترشح لاعتبارات أدبية وتنظيمية وعلمية وفق قواعد علم الاجتماع تُتهم الجماعة بالديكتاتورية، وعدم احترام الرأي الآخر، وأن القيادة أصبحت منفصلة عن القاعدة.

فلماذا الإخوان وحدهم هم المستهدفون دائمًا بهذا النقد الهدام والمتناقض أحيانًا، فنحن نذكر كم هوجم الإخوان بسبب حصولهم على عدد كبير من لجان مجلس الشعب، ثم مَن هاجموهم طالبوهم بتولي رئاسة الحكومة، وإدارة شئون البلاد كلها بدلاً عن المجلس العسكري!!! فلماذا هذا الاستهداف للإخوان… والإجابة سهلة ميسورة بل معروفة لدى الجميع، وهي إضعاف الجماعة، وخلخلة بنائها التنظيمي الذي بدا قويًّا ومؤثرًا في الواقع المصري والعالمي.

وأريد إزاء هذه الهجمة الواضحة من بعض وسائل الإعلام المأجورة أن ألفت نظر إخواني وأحبائي من المؤيدين والمخالفين للإخوان إلى أمرين آخرين بخلاف هذه القواعد العلمية؛ حتى نتعامل بصورة صحيحة مع قرارات الإخوان.الأول:- أن كل أمور الإخوان تدار بالشورى، وأن مبدأ الشورى مبدأ أصيل في الإسلام، ولا قوام للأمة إلا به، ولكن يجب توضيح أمرين مهمين في مبدأ الشورى هما:-

أنه ليس بالضرورة أن تأتي الشورى بالرأي الأفضل, لكن التمسك بالشورى كمبدأ وواجب شرعي هو دائمًا الأفضل؛ ولأن نجتمع على الصواب خير من أن نفترق على الأصوب، وتأمل معي الحادثة التي نزل فيها الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالشورى، نجد أنها حادثة غزوة أُحد التي أتت الشورى فيها بهزيمة ظاهرية، ومع ذلك أراد الله أن ينبه نبيه والمسلمين على مبدأ التمسك بالشورى مهما كانت النتائج، فقال سبحانه وتعالى:-(‏فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)‏ (آل عمران: من الآية 159‏).

وبهذا النص الجازم‏:‏ ‏(‏وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ)‏‏‏ يقرر الإسلام هذا المبدأ في نظام الحكم- حتى- ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يتولاه‏-‏ وهو نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكًّا في أن الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه‏.‏‏.‏. لقد جاء هذا النص عقب وقوع نتائج للشورى تبدو في ظاهرها خطيرة مريرة!،‏ فقد كان من جرائها ظاهريًّا وقوع خلل في وحدة الصف المسلم!‏ اختلفت الآراء،‏ فرأت مجموعة أن يبقى المسلمون في المدينة محتمين بها حتى إذا هاجمهم العدو قاتلوه على أفواه الأزقة،‏ وتحمست مجموعة أخرى فرأت الخروج للقاء المشركين،‏ وكان من جرَّاء هذا الاختلاف ذلك الخلل في وحدة الصف‏.

كذلك بدا أن الخطة التي نفذت لم تكن- في ظاهرها- أسلم الخطط من الناحية العسكرية،‏ إذ إنها كانت مخالفة "للسوابق" في الدفاع عن المدينة- كما قال عبد الله ابن أبي- وقد اتبع المسلمون عكسها في غزوة الأحزاب التالية، فبقوا فعلاً في المدينة وأقاموا الخندق، ولم يخرجوا للقاء العدو‏‏ منتفعين بالدرس الذي تلقوه في أحد‏!‏.

ولم يكن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يجهل النتائج الخطيرة التي تنتظر الصف المسلم من جراء هذا القرار،‏ فقد كان لديه الإرهاص من رؤياه الصادقة التي رآها، والتي يعرف مدى صدقها،‏ وقد تأولها بقتيل من أهل بيته وقتلى من صحابته، وتأول المدينة درعًا حصينةً،‏ وكان من حقه أن يلغي ما استقر عليه الأمر نتيجة للشورى‏.‏‏.‏ ولكنه أمضاها وهو يدرك ما وراءها من الآلام والخسائر والتضحيات؛‏ لأن إقرار المبدأ وتعليم الجماعة وتربية الأمة أكبر من الخسائر الوقتية‏.

فالشورى قد تخسر الأمة موقف، ولكن الأمة حين تتنازل عن المبدأ تخسر نفسها وتخسر وجودها وتخسر تربيتها وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية‏،‏ كالطفل الذي يمنع من مزاولة المشي- مثلاً- لتوفير العثرات والخبطات،‏ أو توفير الحذاء‏! (الظلال‏- سيد قطب).

2- حين الانتهاء من التشاور بعد تقليب الأمور على كل الوجوه وإدلاء كل صاحب رأي برأيه وصاحب كل حجة بحجته يجب التزام أمر الشورى النهائي وعدم الحديث عن الآراء الأخرى حتى وأن ثبت بعد ذلك أنها كانت الأصوب لكن يمكن الاستفادة منها إذا تكرر نفس الأمر بعد ذلك.

(إن مهمة الشورى هي تقليب أوجه الرأي واختيار اتجاه من الاتجاهات المعروضة فإذا انتهى الأمر إلى هذا الحد انتهى دور الشورى وجاء دور التنفيذ‏.‏‏.‏ التنفيذ في عزم وحسم وفي توكل على الله يصل الأمر بقدر الله ويدعه لمشيئته تصوغ العواقب كما تشاء‏.‏ (‏فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: من الآية 159)‏‏.‏‏.‏

وكما ألقى النبي- صلى الله عليه وسلم- درسه النبوي الرباني، وهو يعلم الأمة الشورى، ويعلمها إبداء الرأي، واحتمال تبعته بتنفيذه، في أخطر الشئون وأكبرها‏.‏ كذلك ألقى عليها درسه الثاني في المضاء بعد الشورى، وفي التوكل على الله وإسلام النفس لقدره- على علم بمجراه واتجاهه- فأمضى الأمر في الخروج..‏.‏ لأنه أراد أن يعلمهم الدرس كله،‏ درس الشورى‏،‏ ثم العزم والمضي‏،‏ مع التوكل على الله والاستسلام لقدره‏،‏ وأن يعلمهم أن للشورى وقتها ولا مجال بعدها للتردد والتأرجح ومعاودة تقليب الرأي من جديد‏،‏ فهذا مآله الشلل والسلبية والتأرجح الذي لا ينتهي‏.‏‏.‏ إنما هو رأي وشورى‏، وعزم ومضاء‏،‏ وتوكل على الله، يحبه الله‏:‏ (‏إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)‏‏.‏‏.‏

والخلة التي يحبها الله ويحب أهلها هي الخلة التي ينبغي أن يحرص عليها المؤمنون‏،‏ بل هي التي تميز المؤمنين‏.‏‏.‏ والتوكل على الله ورد الأمر إليه في النهاية هو خط التوازن الأخير في التصور الإسلامي وفي الحياة الإسلامية‏، وهو التعامل مع الحقيقة الكبيرة‏:‏ حقيقة أن مرد الأمر كله لله وأن الله فعال لما يريد‏.‏‏. (الظلال- سيد قطب).

الثاني:- إن الرباط الذي بيننا كأفراد في الجماعة أخوي إيماني تعاهدنا عليه وعرفنا به وأنشدناه:

الكفوف في الكفوف  فاشهدوا عهودنا

الثبات في الصفوف   والمضـاء والفنا

حتى إن ابن تيمية سمى هذا الرباط عقد الأخوة وقال عنه: :إن كانت الحقوق التي ينشئها عقد الأخوة من جنس ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديثه لكل مؤمن على المؤمنين فإنها تكون حقوق واجبه بنفس الإيمان، والتزامه بمنزلة التزام الصلاة والزكاة والحج، والمعاهدة عليها كالمعاهدة على ما أوجب الله ورسوله" الفتاوى 11/101.

ومن لوازم هذا العقد:

1- الطاعة في غير معصية:

وطاعتنا طاعة مبصرة "من الإيمان تنطلق، وبقواعده تسترشد، وإليه تعود، وليست هي استكانة خاضع راهب، ولا تملق طامع مصلحي راغب، إنها طاعة إسلامية مميزة، ليست ككل طاعة، يعتبرها الدعاة ركنًا في إيمانهم، لا كمال له بدونها، ويعتوره النقص بفقدانها.

قوم يرون الحق نصر أميرهم   ويرون طاعة أمره إيمانًا

ولذلك يسوغ من أجلها اتهام العقل عند اختلاف الاجتهاد، والضغط على القلب عند نداء الراغبات، حفظا لهذا الإيمان من أن ينثلم" (العوائق للراشد).

ويقول عنها ابن تيمية: "إن من لوازم الاجتماع السمع والطاعة، فهما العمود الفقري لكل أمة، فلا يدفع عدو ولا يحصل خير أو يدفع شر إلا إذا كان السمع والطاعة خلقًا متأصلاً في كل أفراد الأمة".

2- احترام وتقدير القيادة:

وأقول تقدير لا تقديس، فلا يليق أبدًا ما نسمعه في وسائل الإعلام من اتهام للقيادة والافتئات عليها، فأخلاقنا لا تسمح… فنحن تربينا على خلق الوفاء الذي عبَّر عنه الشافعي بقوله: "الحر من راعى وداد لحظة أو انتمى لمن علمه لفظه" والدعوة علمتك دهرًا، وقادتها أفادوك ألفاظًا.

وديننا لا يسمح… فنحن تربينا على قول نبينا "ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا" (الألباني في السلسلة الصحيحة).. "فلا بد للمربي من وقار، ولا بد للقائد من هيبة، وفرق بين أن يكون هو متواضعًا هينًا لينًا، وأن ينسوا هم أنه مربيهم فيدعوه دعاء بعضهم لبعض- فضلاً عن أن يتهموه- يجب أن تبقى للمربي منزلة في نفوس من يربيهم يرتفع بها عليهم في قرارة شعورهم، ويستحيون هم أن يتجاوزوا معها حدود التبجيل والتوقير". (الظلال- سيد قطب).

ومنهجنا لا يسمح.. وأهدي لإخواني الذين غرهم بهرج الإعلام، فخرجوا يتهمون القيادة بالانحراف عن منهج الإمام المؤسس حسن البنا أُهدي إليهم كلام البنا نفسه عن القيادة حين يقول "… وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة" (رسالة التعاليم).

3- الثقة في القيادة.

فقد يخفي الأمر على البعيد من دائرة القرار وليس كل ما يُعرف يقال، وليس كل ما يجب قوله حضر وقته، حتى في عرف الفقهاء هناك قاعدة تأخير البيان، وتأمل قصة سيدنا موسى مع الخضر تعلم عاقبة التعجل في الحكم على الأمور بظاهرها، وعدم افتراض حسن الظن في الفاعل والنظر في عواقب الأمور.

ويجب أن ننوه هنا أن الثقة ليست في فرد بل في مؤسسات الجماعة المتمثلة في مكتب الإرشاد، ومجلس الشورى، ووحدات الجماعة الإدارية، ويصعب أن تجتمع كل هذه العقول على خطأ.

4- الوفاء للقيادة بالبيعة:

– وهذا الوفاء يسمى في عرف السياسة بالالتزام الحزبي وهو عندنا التزام شرعي؛ حيث أمرنا بذلك ربنا قائلاً: (وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ اللّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)) (النحل).

"والوفاء بعهد الله يشمل بيعة المسلمين للرسول- صلى الله عليه وسلم- ويشمل كل عهد على معروف يأمر به الله" (الظلال- سيد قطب).

وأخيرًا يجب أن أحذر إخواني من هذا الإعلام الرديء الذي ما فتئ يهاجم الجماعة بكل الحيل، فقبل الثورة كان يهاجم المنهج ومؤسسة حسن البنا، وفجأة بعد الثورة وبقدرة قادر أصبح حسن البنا ملهم لكن العيب في القيادة الحالية التي انحرفت عن المسار الرشيد للبنا!!!.

فيجب أن نعرف عاقبة الخلاف وخلع الطاعة ونكث العهد والتخيل، وإلا نقضت وهدمت عرى الدعوة عروة إثر عروة، وتقاعد الدعاة عن العمل فوجًا تلو فوج، وارتفعت معاني الأخوة من ساحتهم، وكان دم الدعوة في رقبتك.

المصدر

http://www.ikhwanonline.com/new/Article.aspx?ArtID=103994&SecID=391

هذا المنشور نشر في الفقة الحركي. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s