من قواعد التشريع الجنائى فى الإسلام (قراءه فى موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام للشهيد عبد القادر عودة )

ب ا

 

نواصل قراءتنا فى موسوعة التشريع الإسلامى للشهيد عبد القادر عودة واليوم مع بعض القواعد التشريعية الخاصة بالزمان يقول الشهيد عبد القادر عوده :

القاعدة العامة في الشريعة الإسلامية أن النصوص الجنائية لا تسري إلا بعد صدورها وعلم الناس بها فلا تسري على الوقائع السابقة على صدورها أو علم بها، ومقتضى هذه القاعدة أن النصوص الجنائية ليس لها أثر رجعي، وأن الجرائم يعاقب عليها بالنصوص المعمول بها وقت ارتكاب هذه الجرائم.

وليس في كتب الفقه مباحث خاصة عن الأثر الرجعي للنصوص، ولكن ليس معنى ذلك أن الشريعة لا تعرف الأثر الرجعي ولم تتعرض له، فإن من يتتبع آيات الأحكام وأسباب النزول يستطيع بسهولة أن يخرج بنظرية الشريعة كاملة في الأثر الرجعي.

ونستطيع أن نقول بعد أن تتبعنا آيات الأحكام الجنائية: إن القاعدة العامة في الشريعة هي أن التشريع الجنائي ليس له أثر رجعي، وإن هذه القاعدة العامة لها استثناءان:

أولهما: إن التشريع الجنائي يجوز أن يكون له أثر رجعي في حالة الجرائم الخطيرة التي تمس الأمن العام أو النظام العام.

ثانيهما: إن التشريع الجنائي يجب أن يكون له أثر رجعي لكما كان ذلك في مصلحة الجاني.

والفرق بين الاستثنائين أن الأول جوازي للشارع، فله أن يجعل للتشريع أثراً رجعياً بشرط أن تستوجب ذلك مصلحة عامة، والثاني وجوبي، فليس للشارع أن يمنعه إلا إذا اقتضت ذلك مصلحة عامة، وسندلل فيما يلي على القاعدة وما استثنى منها.

القاعدة العامة ((لا رجعية في التشريع الجنائي)): فأما القاعدة العامة فهي مستخلصة من تتبع آيات الأحكام الجنائية وأسباب نزولها، فقد نزلت جميع الأحكام التي حرمت المعاصي بعد أن فشا الإسلام، فلم يعاقب بها على الجرائم التي وقعت قبل النزول، عدا جريمة القذف وجريمة الحرابة، فهناك من يرى أن عقوبتهما طبقت على جرائم وقعت قبل النزول، ومن الصعب أن نستعرض كل الجرائم واحدة بعد أخرى، ولهذا سنكتفي باستعراض الجرائم الهامة.

فالزنا حرم في أول الإسلام، وكانت العقوبة عليه أول الأمر مخففة، وهي الإيذاء والحبس في البيوت طبقاً لقوله تعالى: {وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً *وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} [النساء: 15، 16]، ثم شددت عقوبة الزنا بعد ذلك، فصارت الجلد والرجم طبقاً لقوله تعالى: { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، وطبقاً لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((خذوا عني فقد جعل الله لهن سبيلاً، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم الحجارة))، ولو كان للتشديد أثر رجعي لطبقت عقوبة الجلد والرجم على الجرائم التي وقعت قبل تقدير هاتين العقوبتين، ولكن لا نعلم أحداً أو رجم لزنا وقع قبل تشديد عقوبة الزنا. ومن ثم فلم يكن للنص المعاقب على الزنا أثر رجعي.

وحرم الله نكاح زوجة الأب بعد أن كان جائزاً، فأصبح لهذا النوع من النكاح وجهين: أحدهما: جنائي، والثاني: فمن الناحية الجنائية أصبح نكاح زوجة الأب جريمة، ومن الناحية المدنية ظل النكاح عقداً من العقود، وقد اعتبرت الشريعة نكاح زوجة الأب جريمة، ولكنها لم تجعل للنص أثراً رجعياً حيث قال الله تعالى: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً} [النساء: 22]، فلم يطبق حكم النص إلا على الوقائع التي وقعت بعد نزوله والعلم به، ولكن ترتب على نزول النص التفريق بين الأزواج الذين سبق لهم أن تزوجوا هذه الزيجات المحرمة، فكان للنص أثر رجعي من الناحية المدينة امتد إلى وقت انعقاد العقد، ولم يكن للنص أثر رجعي من الناحية الجنائية، فلم يعاقب أحد ممن فسخت زيجاتهم، لقوله تعالى: { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}.

وكذلك كان الحال في تحريم نكاح الأمهات والبنات وغيرهن من المحارم، فقد عدد النص القرآني المحارم الآئي يحرم نكاحهن ثم قال: { وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء: 23]، وقد ترتب على نزول آية التحريم التفرقة بين الزوجين في الزيجات المحرمة، فكان النص أثر رجعي من الناحية المدينة، ولكن لم يكن النص أثر رجعي من الناحية الجنائية فلم يعاقب أحد على هذه الزيجات المحرمة التي تمت قبل نزول النص لقوله تعالى في آخر الآية: { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}.

ومثل ذلك حدث يوم حرم القرآن أن يتزوج الرجل أكثر من أربع نسوة، فقد كان العرب يتزوجون أكثر من أربع فلما نزل قوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] فرق بين الزوج وما زاد على الأربع، ولم يعاقب زوج على ما حدث منه قبل نزول النص، فكان للنص أثر رجعي من الناحية المدنية، ولكن لم يكن له أثر رجعي من الناحية الجنائية.

وحرمت الخمر والميسر على مراحل، فنهى المسلمون أن يقربوا الصلاة وهم سكارى بقوله تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} [النساء: 3] فرق بين الزوج وما زاد على الأربع، ولم يعاقب زوج على ما حدث منه قبل نزول النص، فكان للنص أثر رجعي من الناحية المدنية، ولكن لم يكن له أثر رجعي من الناحية الجنائية.

وحرمت الخمر والميسر على مراحل، فنهى المسلمون أن يقربوا الصلاة وهم سكارى بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ} [النساء: 43]، ثم بين الله لهم أن الخمر والميسر إثماً ومنفعة وأن إثمهما أكبر من نفعهما فقال: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219]، ثم حرم الله الخمر والميسر بعد ذلك تحريماً قاطعاً حيث قال: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} [المائدة: 90]، وجعل الرسول حد الشرب الجلد، وعقوبة الميسر التعزير، ولكن لا يعلم أن أحداً عوقب على شرب الخمر أو لعب الميسر قبل نزول التحريم، ولا يعلم أن نصاً من نصوص التحريم كان له أثر رجعي. ومن ثم يمكن القول بأن النصوص التي حرمت الخمر والميسر لم يكن لها أثر رجعي.

هذه هي بعض النصوص الجنائية ظاهر من استعراضها أنها ليس لها أثر رجعي، وهي في هذا تدلنا على طريقة الشريعة في التشريع الجنائي، وترشدنا إلى قاعدة الشريعة العامة.

ويستطيع القارئ أن يلاحظ أن بعض النصوص صرحت بالعفو عما سلف أي بانعدام الأثر الرجعي، والبعض الآخر لم يصرح به، وليس لهذا في ذاته أهمية؛ لأن النص على العفو عما سلف أي عما حدث قبل نزول النص يعتبر في ذاته نصاً عاماً مقرراً لقاعدة عامة، ولو أنه جاء ضمن نص خاص، فيطبق إذن على كل النصوص الجنائية لا على الحالات التي اقترن بتحريمها دون غيرها، وهذا التفسير يتفق مع القاعدة الشريعة الأساسية التي تقضي بأنه: ((لا يكلف شرعاً إلا بفعل ممكن، مقدور للمكلف، معلوم له علماً يحمله على امتثاله))، ويتفق مع القاعدة الشريعة الأساسية التي تقضي بأن: ((لا حكم لأفعال العقلاء قبل ورود النص))، كما أنه يتفق مع نصوص الشريعة الأكثر عموماً، فالله جل شأنه يقول: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15]، ويقول: {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ} [الشعراء: 208]، ويقول: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ} [القصص: 59].

ونخرج من هذا كله بأن قاعدة الشريعة العامة في التشريع الجنائي تقضي بأن هذا التشريع ليس له أثر رجعي، وأن نصوص الشريعة ومبادئها العامة وتاريخ هذه النصوص كل ذلك يقطع بأن لا رجعية في التشريع الجنائي.

 الاستثناء الأول:

جواز الرجعية في حالة الجرائم الخطيرة التي تمس الأمن العام والنظام العام: إذا كانت القاعدة العامة في الشريعة أن لا رجعية في التشريع الجنائي، فإنه يجوز استثناء من تلك القاعدة أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي في حالة الجرائم الخطيرة التي تمس الأمن أو النظام العام. ومن الأمثلة على هذا الاستثناء: جرائم القذف والحرابة والظهار، فقد طبقت العقوبة فيها على وقائع سابقة على نزول النص.

وفي نص القذف خلاف، فالبعض يرى أنه نزل قبل حادث الإفك فلما كان هذا الحادث وبرأ الله عائشة منه طبق النص على القذفة، وعوقبوا بالعقوبة التي يقررها، وإذا صح هذا الرأي لم يكن لنص القذف أثر رجعي، حيث لا يعلم أنه طبق على واقعة سابقة على نزوله.

ويرى البعض –ورأيهم هو الراجح- أن النص نزل بمناسبة حادث الإفك، فإذا صح هذا الرأي كان لنص القذف أثر رجعي، إذ الثابت الذي لا خلاف فيه أن رسول الله حد القذفة، فكأنه طبق النص على وقائع سابقة على نزوله.

ويمكن أن يعلل الأثر الرجعي بما ترتب على الحادث الذي نزل فيه النص من آثار هامة، فقد قذف جماعة زوج النبي وخاضوا في عرضها؛ وآذوها وآذوا النبي بالإفك الذي قالوا؛ حتى اضطرب المجتمع الإسلامي اضطراباً شديداً؛ وكاد المسلمون يقتتلون، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد إلى المنبر بعد أن خاض الناس في هذا الأمر، وقال: ((يا معشر المسلمين من يعذرني في رجل قد بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيراً، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان على أهلي إلا معي)). فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من الخزرج أمرتنا فأطعنا أمرك. فقام سعد ابن عبادة فقال –وهو سيد الخزرج، وكان رجلاً صالحاً ولكن احتملته الحمية-: أي سعد بن معاذ، لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله. فقام أسيد بن حضير وهو ابن عمة سعد بن معاذ وقال لسعد بن عبادة: لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين؛ فتأثر الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله يخفضهم حتى سكتوا فهذا الحادث الذي أهم المسلمين، وكاد يوقع الفتنة بينهم، والذي أنزل الله فيه قرآناً، هو حادث هام يمس أمن الجماعة ونظامها، وهو أحق ما يجعل للنصوص فيه أثر رجعي؛ لأن العقوبة في مثل هذا الحادث تدعو إلى تهدئة النفوس الثائرة ومحو ما خلفته الجريمة من آثار.

وقد اختلفوا أيضاً في أسباب نزول آية الحرابة، والذي عليه الجمهور أنها نزلت في العرنيين، وهم قوم من عرينة، قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتووا المدينة، فأمر لهم الرسول بلقاح، وأمرهم أن يشربوا ألبانها وأبوالها، فانطلقوا، فلما صحوا قتلوا الراعي واستاقوا النعم، فأرسل الرسول في أثرهم فجئ بهم، فأنزل الله تبارك وتعالى في ذلك قوله: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]. وقيل أن الآية نزلت على قوم من أهل الكتاب بينهم وبين الرسول عهد فنقضوا العهد، وقطعوا السبيل وأفسدوا في الأرض. وروى ابن جرير أن الآية نزلت عتاباً للنبي؛ لأنه قطع أيدي العرنيين وتركها دون حسم، وسمل أعينهم كما سملوا عين الراعي فنزلت الآية تحريماً للمثلة([3]).

فإذا صحت رواية ابن جرير وكانت الآية قد نزلت بعد عقاب العرنيين فيكون الرسول قد عاقبهم طبقاً لقوله تعالى: {وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا} [الشورى: 40]، وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194]، وتكون الآية قد نزلت بحكم جديد ثابت لعقاب من يفع تلك الفعلة، ويترتب على صحة هذه الرواية أن لا يكون للنص أثر رجعي؛ لأنه لم يطبق على حالة سبقت نزوله.

وإذا صحت الرواية القائلة بأنها نزلت لعقاب العرنيين، أو الرواية القائلة بأنها نزلت في قوم مشركين، فإن الآية قد نزلت بعقوبة فعل سابق عليها، ومن ثم يكون لها أثر رجعي، والجمهور يرجح الرواية القائلة بأن الآية نزلت لعقاب العرنيين، وعلى هذا يكون الرأي الراجح أن الآية لها أثر رجعي.

ولا شك أن المصلحة العامة التي اقتضت أن يكون للنص أثر رجعي، فقد كان حادث العرنيين فظيعاً، يوشك لو لم يؤخذ أصحابه بعقوبة رادعة أن يجرئ الناس على المسلمين، وعلى النظام الجديد، وأن يشجع على قطع الطريق، وزعزعة الأمن والنظام، فكان لابد من عقاب رادع على هذه الجريمة، ولكن العقاب الرادع يقتضي أن يجعل للنص أثر رجعي، فجعل له هذا الأثر حفظاً للأمن العام وحماية للجماعة ونظامها، كما جعل لنص القذف أثر رجعي، لتقطع الألسنة وتهدأ الفتنة وتسكن النفوس الثائرة، فحفظ الأمن وحماية الجماعة ونظامها هو الغرض الأول والأخير من جعل الأثر الرجعي للنص الجنائي.

وإذا كان هناك خلاف في أسباب نزول آية القذف وآية الحرابة فإنه لا خلاف في أسباب نزول آية الظهار، وإذا كان الخلاف في أسباب نزول آية القذف وآية الحرابة مما يدعو إلى الشك في أن الشريعة تجيز الرجعية في التشريع الجنائي، فإن الاتفاق على سبب نزول آية الظهار، وعلى أنها طبقت على واقعة سابقة، مما يقطع بأن الشريعة تجيز أن يكون للتشريع الجنائي أثر رجعي، وهذا الذي تقطع به آية الظهار ينهي الخلاف القائم في آيتي القذف والحرابة لمصلحة القائلين بأن كليهما طبقت على واقعة سابقة عليها، ويؤكد أن هاتين الآيتين كان لهما أثر رجعي.

الاستثناء الثاني:

وجوب الرجعية إذا كان التشريع أصلح للجاني: إذا صدر نص جنائي أصلح للجاني وجب تطبيق هذا النص دون غيره على الجاني، ولو أن الجاني أرتكب جريمته تحت حكم نص أشد عقوبة. ويشترط لتطبيق النص الأصلح للجاني أن لا يكون الحكم الصادر على الجاني طبقاً للنص القديم قد أصبح نهائياً، فإن كان قد أصبح نهائياً فقد انتهى الأمر به، ولا تعاد محاكمة الجاني طبقاً للنص الجديد. والعلة في تطبيق النص الأصلح أن العقوبة مقصود منها منع الجريمة وحماية الجماعة، فهي ضرورة اجتماعية اقتضتها مصلحة الجماعة، وكل ضرورة تقدر بقدرها، فإذا كانت مصلحة الجماعة في تخفيف العقوبة وجب أن يستفيد الجاني الذي لم يحكم عليه بعد من النص الجديد المخفف للعقوبة؛ لأن حفظ مصلحة الجماعة ليس في التشديد، ولأنه من العدل أن لا تكون العقوبة زائدة عن حاجة الجماعة ما دامت شرعت لحماية الجماعة؛ ولأن العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً.

ومن الأمثلة البارزة على هذا الاستثناء جريمة القتل، لك أن العرب قبل الإسلام كانت تباين في الفضل وتعترف بهذا التباين، فإذا كان بينها ما يكون بين الجيران من قتل العمد أو الخطأ عرف لصاحب الفضل فضله، وتباينت الديات بحيث تكون دية الشريف أضعاف دية الرجل دونه، واتسع هذا التباين حتى تعدى الأفراد إلى القابئل، فكانت دية النضير يمثلاً ضعف دية القرظي، وكان الشريف من العرب إذا قتل لم يقتل قاتله فقط من أشراف قبيلة القاتل من يرونه كفء القتيل، وربما لم يرضوا إلا بعدد يقتلونهم، ولقد قتل أحد أفراد قبيلة غني شاس بن زهير، فجمع عليهم أبوه زهير بن جزيمة؛ فقالوا له: سل في قتل شاس. فقال: إحدى ثلاث لا يغنيني غيرها. قالوا: وما هي: قال: تحيون لي شاساً، أو تملئون ردائي من نجوم السماء، أو تدفعون إليّ قبيلة بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت منه عوضاً. فهذا هو ولي القتيل يرى أن قبيلة بأسرها لا يجزي قتلها في قتل ولده.

ولما قتل كليب بن وائل اقتتلوا دهراً طويلاً واعتزلهم بعضهم، فأصابوا ابناً له يقال له بجير، فأتاهم وقال: قد عرفتم عزلتي فبجير بكليب وكفوا عن الحرب، فقالوا: بجير بشسع نعل كليب. فقاتلهم بعد اعتزاله وكان من أشراف القبيلة([6]).

وقد جاء الإسلام وبعض العرب يطلب بعضاً بدماء وجراح، فمحا حكم الجاهلية وسوى في الحكم بين الناس، وذلك قوله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [المائدة: 50]، وسوى الإسلام بين دم الشريف والوضيع، وبين دماء الأحرار ودماء العبيد، وبين دماء الرجال والنساء، وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [البقرة: 178]، وبعد نزول هذا الحكم انتهى التفاوض في الدماء والجارح والديات، وطبق الحكم على ما سبقه من دماء وجراح لم يحكم فيها بعد، وبهذا كان للنص أثر رجعي.

ويترتب على ما توجبه الشريعة من تطبيق التشريع الأصلح للجنائي نتائج منطقية هامة:

1- إذا صدر التشريع الجديد قبل الحكم في الجريمة وكان أصلح للجاني حوكم الجاني بمقتضاه ولو أنه أرتكب الجريمة في ظل التشريع القديم.

2- إذا صدر التشريع الجديد بعد الحكم وكان أصلح للمحكوم عليه نفذ من العقوبة المحكوم بها ما يتفق مع العقوبة التي يقررها التشريع الجديد.

3- إذا كان التشريع الجديد بعد الحكم وكان يبيح الفعل ولا يعاقب عليه، فيجب أن لا ينفذ الحكم الذي صدر طبقاً للتشريع القديم، كما يوجب أن يوقف تنفيذه إذا كان قد بدئ في تنفيذه.

4- إذا كان التشريع الجديد يشدد العقوبة فلا ينطبق على الجاني؛ لأنه ليس الأصلح له، ولأن الأصل أن الجرائم يعاقب عليها طبقاً للنصوص السارية وقت ارتكابها.

الصورة بالتدوينة احدى الصور النادرة للإمام الشهيد حسن البنا

هذا المنشور نشر في سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s