فى ظلال سورة الشورى (1)

 6 

شهر رمضان شهر القرآن ومن عادتى فى المدونة فى كل شهر أن أتناول سورة من سور القرآن بالخواطر ونقل بعض المعانى من كتاب فى ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب رحمه الله .

وفى هذا العام سأعرض لسورة الشورى كاملة لأن السورة تحتوى على بعض المعانى والقواعد فى الشريعة وحقيقة الوحى والرسالة نحتاج إليها جميعا فى هذه الأوقات بالذات .

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله وطيب الله ثراه فى ظلال القرآن : هذه السورة تعالج قضية العقيدة كسائر السور المكية ; ولكنها تركز بصفة خاصة على حقيقة الوحي والرسالة , حتى ليصح أن يقال:إنها هي المحور الرئيسي الذي ترتبط به السورة كلها ; وتأتي سائر الموضوعات فيها تبعاً لتلك الحقيقة الرئيسية فيها

هذا مع أن السورة تتوسع في الحديث عن حقيقة الوحدانية , وتعرضها من جوانب متعددة ; كما أنها تتحدث عن حقيقة القيامة والإيمان بها ; ويأتي ذكر الآخرة ومشاهدها في مواضع متعددة منها . وكذلك تتناول عرض صفات المؤمنين وأخلاقهم التي يمتازون بها . كما تلم بقضية الرزق:بسطه وقبضه ; وصفة الإنسان في السراء والضراء ولكن حقيقة الوحي والرسالة , وما يتصل بها , تظل – مع ذلك – هي الحقيقة البارزة في محيط السورة , والتي تطبعها وتظللها  وكأن سائر الموضوعات الأخرى مسوقة لتقوية تلك الحقيقة الأولى وتوكيدها

ويسير سياق السورة في عرض تلك الحقيقة , وما يصاحبها من موضوعات أخرى بطريقة تدعو إلى مزيد من التدبر والملاحظة . فهي تعرض من جوانب متعددة  يفترق بعضها عن بعض ببضع آيات تتحدث عن وحدانية الخالق  أو وحدانية الرازق . أو وحدانية المتصرف في القلوب  أو وحدانية المتصرف في المصير . . ذلك بينما يتجه الحديث عن حقيقة الوحي والرسالة إلى تقرير وحدانية الموحي – سبحانه – ووحدة الوحي . ووحدة العقيدة . ووحدة المنهج والطريق وأخيراً وحدة القيادة البشرية في ظل العقيدة ومن ثم يرتسم في النفس خط الوحدانية بارزاً واضحاً  بشتى معانيه وشتى ظلاله وشتى إيحاءاته , من وراء موضوعات السورة جميعاً

طريقة الاستاذ سيد قطب فى تفسيره تعتمد على تقسيم السورة لدروس متعددة وربطها بالموضوع الواحد الذى تتناوله السورة وهو ما تفرد وسبق به الاستاذ سيد رحمه الله فى وضع أصول التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

 الدرس الأول من الآيات 1-6 يقول الله عز وجل :

حم . عسق . كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم . له ما في السماوات وما في الأرض , وهو العلي العظيم . تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن , والملائكة يسبحون بحمد ربهم , ويستغفرون لمن في الأرض . ألا إن الله هو الغفور الرحيم . والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم , وما أنت عليهم بوكيل).

(كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم). .أي مثل ذلك , وعلى هذا النسق , وبهذه الطريقة يكون الوحي إليك وإلى الذين من قبلك . فهو كلمات وألفاظ وعبارات مصوغة من الأحرف التي يعرفها الناس ويفهمونها ويدركون معانيها ; ولكنهم لا يملكون أن يصوغوا مثلها مما بين أيديهم من أحرف يعرفونها .

ومن الناحية الأخرى تتقرر وحدة الوحي . وحدة مصدره فالموحي هو الله العزيز الحكيم . والموحى إليهم هم الرسل على مدار الزمان . والوحي واحد في جوهره على اختلاف الرسل واختلاف الزمان: (إليك وإلى الذين من قبلك). .

إنها قصة بعيدة البداية , ضاربة في أطواء الزمان . وسلسلة كثيرة الحلقات , متشابكة الحلقات . ومنهج ثابت الأصول على تعدد الفروع .

وهذه الحقيقة – على هذا النحو – حين تستقر في ضمائر المؤمنين تشعرهم بأصالة ما هم عليه وثباته , ووحدة مصدره وطريقه . وتشدهم إلى مصدر هذا الوحي: (الله العزيز الحكيم). . كما تشعرهم بالقرابة بينهم وبين المؤمنين أتباع الوحي في كل زمان ومكان , فهذه أسرتهم تضرب في بطون التاريخ , وتمتد جذورها في شعاب الزمن ; وتتصل كلها بالله في النهاية , فيلتقون فيه جميعاً . وهو(العزيز)القوي القادر(الحكيم)الذي يوحي لمن يشاء بما يشاء وفق حكمة وتدبير . فأنى يصرفون عن هذا المنهج الإلهي الواحد الثابت إلى السبل المتفرقة التي لا تؤدي إلى الله ; ولا يعرف لها مصدر , ولا تستقيم على اتجاه قاصد قويم ?

ويستطرد في صفة الله الذي يوحي وحده إلى الرسل جميعاً ; فيقرر أنه المالك الوحيد لما في السماوات وما في الأرض , وأنه وحده العلي العظيم:

(له ما في السماوات وما في الأرض , وهو العلي العظيم). .

وكثيراً ما يُخدع البشر فيحسبون أنهم يملكون شيئاً , لمجرد أنهم يجدون أشياء في أيديهم , مسخرة لهم , ينتفعون بها , ويستخدمونها فيما يشاءون . ولكن هذا ليس ملكاً حقيقياً . إنما الملك الحقيقي لله ; الذي يوجد ويعدم , ويحيي ويميت ; ويملك أن يعطي البشر ما يشاء , ويحرمهم ما يشاء ; وأن يذهب بما في أيديهم من شيء , وأن يضع فى أيديهم بدلاً مما أذهب . . الملك الحقيقي لله الذي يحكم طبائع الأشياء , ويصرفها وفق الناموس المختار , فتلبي وتطيع وتتصرف وفق ذلك الناموس . وكل ما في السماوات وما في الأرض من شيء(لله)بهذا الاعتبار الذي لا يشاركه فيه أحد سواه . . (وهو العلي العظيم). . فليس هو الملك فحسب , ولكنه ملك العلو والعظمة على وجه التفرد كذلك . العلو الذي كل شيء بالقياس إليه سفول ; والعظمة التي كل شيء بالقياس إليها ضآلة !

ومتى استقرت هذه الحقيقة استقراراً صادقاً في الضمائر , عرف الناس إلى أين يتجهون فيما يطلبون لأنفسهم من خير ومن رزق ومن كسب . فكل ما في السماوات وما في الأرض لله . والمالك هو الذي بيده العطاء . ثم إنه هو (العلي العظيم)الذي لا يصغر ولا يسفل من يمد يده إليه بالسؤال ; كما لو مدها للمخاليق , وهم ليسوا بأعلياء ولا عظماء

هذا المنشور نشر في بين يدى رمضان. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s