الحركات الإصلاحية بين المثالية والواقعية ( سلسلة نحو وعي سياسى للدكتور حاكم المطيرى 1)

shaif 1 (488) 

من فترة طويلة اتابع الدكتور حاكم المطيرى ومن منا لم يقرأ كتابه الأبرز الحرية أو الطوفان أو غيره من الكتب التى طرقت عقول التراث السلفى الإسلامى موقع الشيخ حاكم المطيرى هنا وله سلسلة حديثة عن الوعى السياسى للحركات الإسلامية وهنا أحد مقالات هذه السلسلة :

تواجه الحركات الإصلاحية في عالمنا العربي – مما تواجهه من إشكاليات – إشكالية المواءمة بين المثالية والواقعية السياسية؟! وهي الإشكالية التي أدت إلى سقوط دول وحكومات فضلا عن أحزاب وحركات!

ويمكن تعريف (المثالية السياسية) بأنها نظرة فلسفية للفعل السياسي الفردي أو الجماعي، ترى ضرورة أن يكون محكوما بالقيم والمثل والمبادئ العليا، لتحقيق الخير والعدل للإنسانية، سواء كان مصدر تلك القيم والمثل: الدين أو العقل أو الفطرة الطبيعية.

كما يمكن تعريف (الواقعية السياسية) بأنها نظرة فلسفية للفعل السياسي الفردي أو الجماعي، ترى ضرورة أن يكون محكوما بالمصلحة والمنفعة، التي تعود على السياسي، كفرد أو حزب، أو على حكومة في سياستها الداخلية، أو على دولة في سياساتها الخارجية.

فهذا هو التعريف للمثالية السياسية والواقعية السياسية، وقد تطلق صفة المثالي على الخيالي الحالم الذي يستحيل تحقق أحلامه، وتطلق صفة الواقعي على الذي لا تتجاوز طموحاته حدود قدراته!

وعليه فإذا كان (الإنجيل) هو دستور السياسيين المثاليين المسيحيين في أوربا، فإن كتاب (الأمير) لميكافلي هو دستور الواقعيين السياسيين الغربيين!

وقد عبرت البرغماتية كفلسفة سياسية عن (الواقعية السياسية) بأسوأ صورها حيث جعلت من المصلحة والمنفعة الذاتية المعيار الأخلاقي الذي يحدد مشروعية الفعل السياسي، ومن هنا أصبح المعيار نسبيا فما يحقق ضررا ويشكل خطرا حتى ولو على الإنسانية كلها، يكون مشروعا عند من يحقق لهم ذلك الفعل السياسي مصلحة ومنفعة، وهو ما يفسر لماذا تقدم الولايات المتحدة على جرائم بحق الإنسانية دون أن تجد أي مشكلة أخلاقية!

إنه الصراع الدائم بين عالم المثل والقيم، الذي يتوق وينزع إليه القادة المصلحون والقديسون والربانيون والفدائيون الذين يضحون بأنفسهم من أجل تحقيق السعادة لشعوبهم وأممهم، وعالم المادة والواقع الذي ينجذب إليه السياسيون والإداريون والرأسماليون والاستعماريون الإمبرياليون الذين تحكمهم النتائج أكثر مما تهمهم المقدمات!

فالسؤال عن المربحة والمصلحة والفائدة أهم عندهم من السؤال عن المشروعية والمسئولية الأخلاقية!

إنها إحدى تجليات تشظي النفس البشرية وتنازعها بين عالم الروح الذي جاءت منه، والجنة التي تطمح للعودة إليها، حيث الحب والخير والسعادة التي لا تكدرها الأحقاد والشرور، من جهة، ونزوعها من جهة أخرى إلى الخلود إلى الأرض والرضوخ لقوانينها الطبيعية وتناقضاتها، والصراع فيها، والتفاعل معها بواقعية للاستفادة منها حسب قدرة الإنسان وذكائه!

وقد شكى المؤرخ والمفكر الأمريكي كرين برنتون من هذه الإشكالية في كتابه (الثورة عناصرها ونتائجها) في ص 334 – 335 حيث يقول (وقد لاحظنا أن محاولات قد بذلت في جميع ثوراتنا لسد الثغرة على هذه الأرض بين المثل الأعلى والواقع.. وفي الحقيقة كان على جميع ثوراتنا أن تجد حلولا وسطا فيما يتصل بمثلها العليا، وأن تحيل الكلمات العذبة إلى شعائر، وقد انتهت الحرية والمساواة والإخاء أخيرا إلى نقوش على الأبنية العامة..)!

إن ما عجزت عن تحقيقه الثورة الفرنسية والإنجليزية والأمريكية والروسية في التوفيق بين المثل والواقع، نجح النبي صلى الله عليه وسلم في تحقيقه، فكانت الأخوة والحرية والعدل والمساواة والرحمة حقيقة يعيشها المسلمون في عهد النبوة في أوضح صورها، وكان الواقع انعكاسا صادقا للمثل والقيم التي جاء بها ودعا إليها، فقد جاء القرآن والإسلام (بالمثالية الواقعية) ليكونا هداية للإنسانية في كل شئونها، ومنها العمل السياسي {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم}، ففي الوقت الذي جعل الله للمؤمنين رسالة إنسانية عالمية مثالية {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}، {وقولوا للناس حسنا} وأمرهم بالجهاد والفداء والتضحية من أجل تحرير المستضعفين {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة …وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان}، فهي دعوة للموت في الدنيا، والفوز في الآخرة، في سبيل المستضعفين ورفع الظلم عنهم، وهي الغاية القصوى في المثالية السياسية والإيمان بالمثل العليا للخير {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}، نجد القرآن في المقابل يشرع إباحة الغنائم وحق المجاهدين في الاستمتاع بما غنموه، مراعاة للفطرة الطبيعية للإنسان، التي فطرت على حب التملك، وحب الظفر والفوز والمجد المادي والمعنوي {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حللا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم}!

فهذه الآيات التي جاء أولها بالمثالية السياسية، تحث على المُثل وعدم أخذ الفداء من الأسرى، وتذكر بالأجر الأخروي {والله يريد الآخرة} وهي خير لكم من {عرض الدنيا}، ومع ذلك جاء آخرها بالواقعية السياسية، ليحلل الله لهم الغنائم والفداء الذي أخذوه من الأسرى {فكلوا مما غنتم حلالا طيبا}!

 

إن ما عجزت عن تحقيقه الثورة الفرنسية والإنجليزية والأمريكية والروسية في التوفيق بين المثل والواقع، نجح النبي صلى الله عليه وسلم في تحقيقه، فكانت الأخوة والحرية والعدل والمساواة والرحمة حقيقة يعيشها المسلمون في عهد النبوة في أوضح صورها، وكان الواقع انعكاسا صادقا للمثل والقيم التي جاء بها ودعا إليها، فقد جاء القرآن والإسلام (بالمثالية الواقعية) ليكونا هداية للإنسانية في كل شئونها، ومنها العمل السياسي {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، {كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم}، ففي الوقت الذي جعل الله للمؤمنين رسالة إنسانية عالمية مثالية {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} {وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس}، {وقولوا للناس حسنا} وأمرهم بالجهاد والفداء والتضحية من أجل تحرير المستضعفين {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة …وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان}، فهي دعوة للموت في الدنيا، والفوز في الآخرة، في سبيل المستضعفين ورفع الظلم عنهم، وهي الغاية القصوى في المثالية السياسية والإيمان بالمثل العليا للخير {من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا}، نجد القرآن في المقابل يشرع إباحة الغنائم وحق المجاهدين في الاستمتاع بما غنموه، مراعاة للفطرة الطبيعية للإنسان، التي فطرت على حب التملك، وحب الظفر والفوز والمجد المادي والمعنوي {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم. لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم. فكلوا مما غنمتم حللا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم}!

فهذه الآيات التي جاء أولها بالمثالية السياسية، تحث على المُثل وعدم أخذ الفداء من الأسرى، وتذكر بالأجر الأخروي {والله يريد الآخرة} وهي خير لكم من {عرض الدنيا}، ومع ذلك جاء آخرها بالواقعية السياسية، ليحلل الله لهم الغنائم والفداء الذي أخذوه من الأسرى {فكلوا مما غنتم حلالا طيبا}!

إن هذه الإشكالية هي من أشد التحديات تعقيدا التي تواجهها الحركات الإصلاحية والمعارضة السياسية العقائدية في أي مجتمع تريد تغييره، وهي قدرتها على المواءمة بين المثالية النظرية التي تؤمن بها، والواقعية العملية التي تمارسها، أي بين ما تبشر به وتناضل من أجله وتسعى لتحقيقه في صورته النهائية، وما تمارسه من فعل سياسي تفرضه عليها الواقعية السياسية، والظروف الموضوعية، أثناء نضالها ونجاحاتها المرحلية، بحيث لا تخسر أنصارها الاستراتيجيين المثاليين، أثناء صراعها المرحلي، وما تحققه من نتائج قد ترضي أنصارها العمليين، وهم عادة عامة الجماهير، التي قد تمل الصراع وتستعجل تحقيق نجاحات مرحلية!

لقد خسرت الولايات المتحدة كل شعاراتها التي رفعتها من أجل عالم تسوده الحرية والعدالة، حين رأى العالم كيف يدك طيرانها وبكل وحشية بيوت الطين في أفغانستان على رؤوس النساء والأطفال لتتطاير الأشلاء في كل مكان بحجة تحريرهم من طالبان!

كما نجحت طالبان في المقابل بالالتزام بالمثل والقيم التي تؤمن بها، ورفضت أي تجاوز على سيادتها، وأي مخالفة لشريعتها، حتى وإن أدى ذلك إلى حرب مع قوة استعمارية كبرى، وفضلت طالبان عودتها إلى الجبال من جديد لتقود حركة تحرير أفغانستان، من أن تكون حكومة صورية بيد الأمريكان!

بينما تتحول باكستان كلها بجيوشها وقنبلتها الذرية وتعدادها الذي يصل نحو مائة وخمسين مليون نسمة، وجماعاتها السياسية الإسلامية والعلمانية، إلى مجرد أداة في يد الاستخبارات الأمريكية لتسهيل احتلال أفغانستان ثم السيطرة على باكستان نفسها، وضرب شعبها في وادي سوات لمصلحة الاحتلال الأمريكي، مقابل مليار دولار سنوي تشتري بها الولايات المتحدة أكبر دولة إسلامية نووية، ويتم ذلك كله باسم الواقعية السياسية!

وهذا ما جرى في المنطقة العربية من احتلال للعراق سنة 2003م الذي دفع ثمن رفضه الموافقة على وجود قواعد عسكرية للاحتلال الأمريكي على أرضه، مقابل ضمان بقاء حكومته في السلطة! وفي الوقت ذاته تنازلت الحكومات العربية الأخرى باسم الواقعية السياسية عن كل معاني السيادة والاستقلال، لتتحول دولها إلى مخافر شرطة، وسجون كبيرة لشعوبها، ومعابر لقوات الاحتلال الأجنبي للمنطقة، ومواخير دعارة لتقديم كل ما تحتاجه جيوش الاحتلال من خدمات ترفيهية في الصحراء العربية!

وكذا واجهت جمهورية إيران الثورة التي طرحت مشروعا أمميا تناقضا فاضحا بين المثالية والمبدئية التي ترفض التعامل مع أمريكا باعتبارها الشيطان العالمي، والواقعية السياسية التي تجعلها تنسق المواقف مع هذا الشيطان في العراق وأفغانستان، ففقدت بسبب هذا الموقف المتناقض تعاطف شعوب العالم العربي التي كانت تؤيد إيران وشعاراتها السياسية ضد الاستكبار العالمي، حتى خسرت كل ذلك في اختبار العراق، حيث حلفاؤها في العراق هم عملاء الاحتلال وأدواته وأعوانه ورجاله!

وإذا حزب الدعوة والمجلس الأعلى وفيلق بدر الذين كانوا يرفعون شعارات الثورة (الموت لأمريكا) هم من يضعون الزهور على قبر الجندي الأمريكي المجهول في العراق الذي جاء يحتل أرضهم ويقتل شعبهم، وبينما العالم كله ولجان حقوق الإنسان فيه تدعو إلى محاكمة قادة الجيش الأمريكي كمجرمي حرب لما فعلوه من قتل وتدمير للعراق وشعبه، يقلد رئيس الحكومة الطائفية في بغداد ضباط الجيش الأمريكي المحتل الأوسمة تكريما لهم على جرائمهم في العراق، في مشهد هزلي لم ير العالم كمثله، في انعدام الضمير الإنساني، وموت كل القيم الأخلاقية الإنسانية والوطنية!

إنها تناقض فاضح بين من يدعو إلى الثورة الحسينية والفضيلة والثأر لمظلومية آل بيت، فلا يجد من تطبيق عملي لكل هذه المبادئ الشريفة إلا أن يشارك الحملة الصليبية في احتلال وطنه، وخيانة شعبه وأمته، وتدمير بلده مع الشعور بالفخر والاعتزاز لأنه بتحالفهم مع المحتل الأمريكي يمهد الطريق لعودة المهدي المنتظر!

إنه أوضح مثل يمكن ضربه في بيان خطورة التناقض بين المثالية والواقعية، وضرورة تحقيق المواءمة بينهما، وكيف تتجنب حركات الإصلاح الوقوع في الأخطاء – بل الجرائم – التي قد تنشأ بسبب هذه الإشكالية!

وتزداد خطورة الإشكالية حين تتناقض المثل والقيم نفسها، فما تراه طالبان محرما وجريمة دينية وأخلاقية لا يمكن لها أن تقوم بها نزولا عند رغبة بوش وحملته الصليبية، حتى وإن خرجت طالبان من الحكم وعادت للجبال والحرب من جديد، يراه أتباع إيران في العراق (الحشاشون الجدد) عملا مشروعا، فهم من يحاصرون المدن العراقية المقاومة للاحتلال، وهم من يقتلون كل من يقاوم الاحتلال، ويسلمونهم للجيش الأمريكي، حتى العرب الذين ذهبوا يقاتلون دفاعا عن الشعب العراقي!! ليخرج السياسيون الطائفيون لينفوا أن يكون هناك أصلا مقاومة عراقية ضد الاحتلال الأمريكي!

فطالبان ترفض تسليم رجل واحد حتى لو فقدت السلطة وخاضت حربا مع حملة صليبية كبرى لكون ذلك يتنافى مع قيمها ومبادئها، بينما الحشاشون الجدد يأتون مع الاحتلال الأجنبي، وخلف جيوشه، ويقتلون مليون عراقي من شعبهم، ويهجرون أربعة ملايين، باسم الوطنية والديمقراطية ومظلومية آل البيت!

لقد خسرت طالبان السلطة إيمانا بالمثل والقيم، وربحت القضية والموقف، وهذه المثالية هي السبب ذاته الذي جعلها اليوم الرقم الصعب في المعادلة السياسية في أفغانستان بل في المنطقة كلها، وهو الذي سيعيدها للسلطة أشد ما كانت قوة، حتى صارت غاية جيوش الاحتلال أن تجد من يفاوضها من طالبان للتفاهم حول خروجها بأمان!

لقد ظنت الولايات المتحدة وحلف النيتو أنهم كسبوا الحرب، وأن هذا النصر يغفر كل جرائمهم التي فعلوها في الشعب الأفغاني، وكل ما فعلوه من جرائم مع الأسرى الذين قتلوهم أو حملوهم في الأقفاص إلى غوانتنامو لينتهكوا كل حقوق الإنسان التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية لحقوق الأسرى والمعتقلين، وليحطموا كل القيم والمبادئ والشعارات التي طالما بشروا بها العالم! فإذا هذه الواقعية ذاتها هي السبب في هزيمتهم وفرار جنودهم وانتحارهم وإعلان قادتهم أنهم قد خسروا الحرب في أفغانستان! مع أنهم لم يخسروا الحرب فقط بل خسروا القضية والرسالة التي حملوها للعالم باسم الحضارة الغربية!

لقد كانت المثالية السر وراء قوة طالبان التي لا حدود لها حتى واجهت وحدها كل جيوش حلف النيتو بروح التضحية والفداء، كما كانت الواقعية السياسية والبرغماتية وراء سقوط الولايات المتحدة وحلفائها وكل من وراءها!

ومن هنا يتأرجح السياسيون بين المثالية والواقعية، إذ يكتشف الواقعيون أنهم يخسرون مصالحهم بسبب واقعيتهم نفسها، حيث يتسلح خصومهم بمثاليتهم التي تحملهم على الموت والفداء، كما يخسرون تعاطف شعوبهم وشعوب العالم كله حين يظهرون كوحوش تفتقد أدنى قيم الإنسانية، وهو ما يدفع الجنود للانتحار والفرار، حين يشعرون بتأنيب وتعذيب الضمير الذي يذكر الإنسان بإنسانيته، ويؤنبه على خطيئته، مما يضطر معه الواقعيون إلى اللجوء للقيم والمثل لا بسبب إيمانهم بها، بل لكون الواقعية السياسية تفرض عليهم ضرورة مراعاتها من أجل تحقيق المصلحة ذاتها!

ومن هنا تواجه الحركة الإصلاحية والمعارضة السياسية، في العالم العربي، تحديات كبيرة، وعقبات كثيرة، أثناء مسيرة نضالها من أجل التغيير، في المقاربة بين المثل والنموذج الذي تطمح إلى تحقيقه، والواقع الذي تطمح إلى تغييره، وتتفاوت شدة تلك التحديات بحسب الهدف الذي تسعى لتحقيقه:

· فالمعارضة التي تستهدف (مشروع أمة) – كالحركة القومية العربية والإسلامية الأممية – أشد حالا وأعقد مهمة من التي تستهدف مجرد (مشروع دولة) -كالمعارضة السودانية مثلا التي تريد تغيير النظام القائم والدستور الذي وضعه – وهذه أشد حالا من التي تحمل مجرد (مشروع سلطة) – كأكثر القوى المعارضة في العالم العربي اليوم كالمعارضة المصرية والمغربية واليمنية والأردنية ..الخ، إذا افترضناها فعلا قوى معارضة وليست جزءا من النظام القائم لا يتجاوز دورها مناكفته دون طرح نفسها كبديل عنه – إلا إنها كلها لا تستطيع تحقيق أهدافها إلا عبر الوصول إلى الحكم أو المشاركة فيه، فهو الهدف الأول لكل قوى المعارضة السياسية.

وإذا كانت المعارضة السياسية التي تطمح لتغيير السلطة فقط لا تحتاج في حركة نضالها من أجل التغيير إلا إلى إثبات (عدم الفاعلية السياسية) للسلطة القائمة، فإن المعارضة السياسية التي تطمح لتغيير نظام الدولة وطبيعته في حاجة إلى ما هو أبعد من ذلك ألا وهو إثبات (عدم المشروعية السياسية) للنظام كله أصلا، وهذا يحملها أعباء ثقيلة وأهمها :

1- ضرورة الأيديولوجيا السياسية، وتسلحها بالعقيدة والفكر في صراعها مع النظام القائم، إذ لن تقتصر ساحة الصراع على الساحة السياسية فحسب، ولن يجدي هذه القوى المعارضة مجرد فضح عجز السلطة، وفسادها، وعدم فاعليتها، وضعف قدرتها على إدارة شئون الدولة فقط، بل ستمتد ساحة الصراع إلى ما هو أبعد من ذلك وأشد خطرا وهو الساحة الفكرية والثقافية، وما تحتاجه من جهد كبير في تشكيل خطاب سياسي فكري قادر على إقناع الجماهير واستقطابهم من أجل التغيير، وما يستتبع ذلك من استدعاء الخطاب الديني عادة من قبل الأنظمة التي تحكم شعوبا محافظة، وهو ما يضطر حركات المعارضة إما إلى استخدام الخطاب الديني الثوري نفسه لمواجهة الخطاب الديني السلطوي، أو مواجهة الدين ذاته والعمل على إبطاله، إذا كان الاستبداد لا يسقط إلا بسقوط الدين، وهو ما لجأت له الأحزاب الشيوعية في نضالها ضد النظم الرأسمالية، وكذا احتاجته الأحزاب الليبرالية في مواجهتها للنظم الشمولية، حيث استدعت الخطاب المسيحي في صراعها مع الشيوعية، وهذا الذي يفسر سهولة سقوط الشيوعية في روسيا – حيث دخلت الكنائس في الصراع ضد الشيوعية – واستمرارها في الصين!

وقد أكد القرآن هذه الحقيقة الاجتماعية السياسية وهو توظيف الطاغية للدين في سيطرته على المجتمعات، كما في قول فرعون لقومه {ذروني أقتل موسى …إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد}، وكذا في قول الملأ من قريش {وانطلق الملأ منهم أن مشوا واصبروا على آلهتكم}، فكان الصراع في البداية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبينهم وفق قاعدة {لكم دينكم ولي دين}، حتى انتهى إلى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله}!

فالدين أحد أهم محركات الصراع السياسي، فإما أن يكون لصالح المصلحين ومشروعهم، إذا أحسنوا فهمه وفهم حقائقه وقوة أثره في النفس البشرية، أو يكون في صالح الطاغوت الذي يوظفه في خدمة تكريس واقعه، وفي مواجهته لمعارضيه!

2- ضرورة الطهورية السياسية للقادة والزعماء في جهادهم ونضالهم السياسي، فهو الذي يحقق (الرمزية التاريخية) وهو ما تفتقده عامة القوى المعارضة اليوم في عالمنا العربي سواء كانت قوى إسلامية أو قومية أو وطنية، وهو أحد أسباب عجزها عن أحداث التغيير في الواقع السياسي، إذ لا يكاد يمضي وقت على المعارضة السياسية حتى تكل وتمل وتقفز من صفوف المعارضة إلى سفينة الحكومة، لتشاركها في المصالح والجرائم، وتعينها على التجديف معها في السير بالدولة والمجتمع نحو الهاوية والسقوط!

3- ضرورة التنظيم واستقطاب الجماهير، وإقناعها بمشروعية تغيير النظام القائم، وتحريكها لحلبة الصراع، وهو ما يحتاج جهد وجهاد كبير، وعمل تراكمي، ومهارات قيادية.

· أما حين تسعى المعارضة السياسية للوصول إلى السلطة من أجل (مشروع أمة) تتجاوز حدود الدولة القطرية، فهنا لا تقتصر المواجهة على النظام القائم الذي تسعى المعارضة لتغييره، بل ستكون المواجهة مع القوى الدولية التي تتحكم في العالم وتسيطر عليه، مما يجعل المهمة أشد خطرا وأبلغ أثرا، وقد رأينا كيف تحول السودان من مشروع إسلامي أممي في بدايات شعاراته، إلى مشروع مناطقي شمالي في نهايته، فأقصى أمانيه اليوم أن ينفصل الجنوب بلا حروب!

السيرة النبوية بين المثالية والواقعية :

وإذا نظرنا للسيرة النبوية وهي التطبيق العملي للسياسة القرآنية والتي جاءت بمشروع أمة عالمية لتحرير الإنسانية كلها {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف} نجدها أروع نموذج يحتذى به في هذا الباب {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}!

لقد كان العرب قبل الإسلام في جاهلية وظلم وتشرذم وبؤس، فلا دولة، ولا أمة، ولا دين، ولا رسالة في الحياة، بل لا شأن لهم إلا التنازع والتقاتل على الشاة والبعير، والتفاخر بمآثر آبائهم وأجدادهم، كما قال شاعرهم :

وأحيانا على بكر أخينا

إذا ما لم نجد إلا أخانا

وقال الآخر :

ألهى بني تغلب عن كل مكرمة

قصيدة قالها عمرو بن كلثومِ

بينما العالم من حولهم في صراع دائم للسيطرة عليهم، ففارس في الشرق، والروم في الغرب، وأقصى أماني سادة العرب أن يدخل أحدهم على كسرى الفرس أو هرقل الروم فيخرج منه بحلة وتحفة ودراهم، وكان العرب وملوكهم الغساسنة في الشام تحت نفوذ الروم، وكان العرب وملوكهم المناذرة في العراق تحت نفوذ الفرس، وكان العرب ومخاليفهم وأقيالهم في اليمن تحت نفوذ الحبشة، وكان أهل الحجاز ونجد في حروب قبلية دائمة لا تنطفئ لهم نار، ولا يقر لهم قرار، فكان أول وعي للعرب بقوميتهم وهويتهم ما جرى لهم يوم ذي قار مع كسرى، وهي أول حرب تجمعهم في مواجهة خطر خارجي، حيث تداعت لها قبائل عربية شتى لم يكن من عادتها الاجتماع، وكان سيف بن ذي يزن قد نجح قبل ذلك في تحرير اليمن من نفوذ الحبشة وسطوتها، فجاءته وفود العرب من كل مكان تهنئه، فكانت تلك الأحداث أول إرهاصات تهيئ العرب واستعداهم ليكون لهم شأن على مسرح الصراع الدولي!

فبعث الله لهم آخر رسله محمدا صلى الله عليه وسلم فدعاهم إلى التوحيد بشموليته، إلى دين واحد، وأمة واحدة، ودولة واحدة، وبشرهم بالعدل والشورى والأمن والغنى، ووعدهم بالسيادة العالمية، فقال لهم وهو بمكة (أريد منكم كلمة واحدة تدين لكم بها العرب وتبذل لكم العجم الجزية) وقال لهم (إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، والله لتنفقن كنوزهما في سبيل الله)!

لقد كان مشروع الإسلام مشروعا أمميا عالميا منذ أول يوم {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} {قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض}، إلا أنه لن يتحقق إلا وفق السنن الاجتماعية السياسية في أسباب قيام الدول والأمم وظهورها، فكانت الأهداف المرحلية والنهائية التي سعى النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيقها موافقة لكل سنن التغيير السياسي الاجتماعي ومن ذلك:

1- التبشير بدعوته لكل الناس، بخطاب عام، فكان يقول (خلوا بيني وبين الناس)، وكان صلى الله عليه وسلم يقول وهو يعرض نفسه على العرب (من يؤويني حتى أبلغ رسالة ربي)، لعلمه صلى الله عليه وسلم أن من سيحدث التغيير هم الناس أنفسهم حين تتغير تصوراتهم وآمالهم وطموحاتهم، كما قال تعالى {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}!

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بأن الله لن يخرق له نواميس الكون وسننه لتحقيق هذه المهمة بل ستجري عليه وعلى المؤمنين معه ما جرى على الأنبياء من قبله من البلاء {أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون. ولقد فتنا الذين من قبلهم}، ولهذا حدث التغيير التاريخي حين دخل العرب في دين الله أفواجا وكان ذلك هو النصر {إذا جاء نصر الله والفتح. ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا}، إذ بعده خرج العرب ليفتحوا العالم وليخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد!

فاستهداف عامة الناس بالخطاب، والوصول إلى الجماهير لتحدث هي التغيير، أمر في غاية الأهمية لكل الحركات الإصلاحية، بل هو قطب الرحى لتحقيق التغيير المنشود.

2- تكوين الجماعة والعصابة المؤمنة بالإسلام، وتنظيم شئونها، وإيجاد المحضن في دار ابن الأرقم، في فترة الدعوة السرية مدة ثلاث سنين، ولزوم العمل السلمي بعد الإعلان عن الدعوة مدة عشر سنين، مع تعرضه وأصحابه لكل صنوف الاضطهاد والإيذاء والحصار والحرب الإعلامية والتشهير به صلى الله عليه وسلم.

ومع أن الإسلام كان ينتشر شيئا فشيئا، وبين قبائل العرب، حتى أنه ربما جاءه بعضهم مسلما، فيقول ارجع إلى قومك حتى يأتيك خبري، فيعود يدعو إلى الإسلام في قومه، إلا أن دار ابن الأرقم كانت محضنا خاصا لمن يستطيع من المؤمنين تجاوز العوائق والعقبات الاجتماعية ليكون جزءا من الجماعة والتنظيم الذي كان يلزم النبي صلى الله عليه وسلم ويأخذ عنه، ويتأهل لقيادة المجتمع والدولة حين تقوم، فكان إطار الدعوة العامة، أوسع من إطار الجماعة والتنظيم في دار ابن الأرقم.

ومع كونه ممنوعا من القتال في هذه المرحلة إلا إنه حين اشتد بغي قريش وعدوانهم عليه وعلى أصحابه أخذ يتوعدهم حتى قال لهم يوما (والله لقد جئتكم بالذبح) ففجعهم ذلك حتى قالوا (ما عهدناك يا محمد جهولا)!

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمارس عملا سياسيا من حيث التكوين للجماعة والتنظيم والإعداد والدعوة والكف عن القتال واستخدام الإرهاب النفسي للعدو الذي لا يفهم إلا لغة القوة مع كونه لم يؤذن له بجهادهم، إلا إنه كان في حاجة لممارسة الإرهاب النفسي للملأ والجبابرة منهم!

3- البحث عن النصرة والسلطة التي ستحمل هذا المشروع الأممي العالمي، حتى عرض نفسه على كل قبائل العرب الرئيسة، وذهب للطائف يبحث عن النصرة ليقيم الدولة، فكان الأنصار وأهل المدينة هم أسعد الناس به، فبايعوه وهو في مكة طريدا (على السمع والطاعة)!

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبحث عن النصرة عند من يستطيعونها من قبائل العرب كبني بكر بن وائل، وبني عامر بن صعصعة…الخ وكان يسأل عن القبيلة وعن عددها ومنعتها، وكذلك شأنه مع المدن حيث ذهب للطائف وهي من أهم مدن الحجاز، وكذلك يثرب، إذ لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم أن المشروع الذي يريد إقامته لا يصلح له إلا من يستطيع أن يحوطه من جميع جوانبه، وتحمل تبعاته كافة، كما قال لبني شيبان حين عرضوا عليه النصرة بشرط أن لا يتجاوزوا حدود جزيرة العرب لعهدهم مع كسرى، فرد عليهم (إن هذا الأمر لا يصلح إلا من أحاطه من جميع جوانبه)!

4- ثم الهجرة، حيث خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأقام فيها السلطة، وكتب صحيفة المدينة ودستورها وحدد فيها المرجعية السياسية والتشريعية، والحقوق والحريات الدينية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية، ونظم علاقات مكونات المجتمع، ففرغ بذلك من تحقيق الهدف الأول والمرحلة الأولى (مشروع السلطة).

5- ثم لم يمض عليه عشر سنين بعد تأسيس السلطة في المدينة، حتى فتح جزيرة العرب كلها، ووحدها، وأرسل الولاة والقضاة والجباة لكل أقاليمها، ولم يمت صلى الله عليه وسلم حتى فرغ من الهدف الثاني والمرحلة الثانية وهو (مشروع الدولة)، حيث تهيأت الظروف لتحقيق المرحلة الثالثة (مشروع الأمة العالمية)، حيث سيخرج العرب من جزيرتهم أمة واحدة، ودولة واحدة، برسالة سماوية، ليفتحوا العالم ويحرروا الأمم ويقيموا العدل وينشروا الرحمة.

لقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوة في مكة، ثم أقام السلطة في المدينة، ثم استكمل بناء الدولة على جزيرة العرب كلها، لتحمل هذه الدولة بعد وفاته مشروع الأمة العالمية، التي ستخرج الأمم من الظلمات إلى النور، ومن الظلم والجور إلى العدل والخير.

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك حجم مشروعه وأبعاده ومراحله، كما في قوله لأصحابه – حين اشتكى بعضهم من اضطهاد المشركين – وهو في مكة (لتسيرن الظعينة من صنعاء اليمن إلى هذا البيت لا تخاف إلا الله)، فلما أقام السلطة في المدينة ودخل عامة العرب في جزيرتهم في الإسلام، وجاءه عدي بن حاتم الطائي وكان قومه في أطراف العراق، قال له (لئن طال بك عمر يا عدي لترين الظعينة تسير من الحيرة إلى البيت لا تخاف إلا الله)، فقال له عدي: وأين دعار طيء يارسول الله؟!

فالمرحلة الأولى توحيد جزيرة العرب، وأما المرحلة الثانية فتوحيد أرض العرب كلها، التي تشمل العراق كله وهي أرض المناذرة، والشام كله وفيها الغساسنة، وأما المرحلة الثالثة فالامتداد خارج أرض العرب، لمواجهة كسرى وقيصر وتحرير الأمم من طغيانهما، كما أخبر عن ذلك في حديث(إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها)!

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أنه لن يستطيع أن يقيم أمة عالمية، قبل أن يقيم دولة في جزيرة العرب كلها تستطيع حمل أعباء هذا المشروع الأممي، ولن يقيم دولة تحكم جزيرة العرب ما لم يقم سلطة في المدينة، ولن يقيم سلطة ما لم يجد أنصارا وأتباعا وأرضا تؤويهم، وكل من يروم اليوم استعادة (مشروع أمة)، قبل أن يصل إلى السلطة، وفي دولة مركزية قادرة على حمل أعباء هذا المشروع، فقد رام مستحيلا، وخالف سنن الله في قيام الدول وظهورها!

إن الله لم يفرض الجهاد على المؤمنين إلا بعد الهجرة وقيام الدولة، لكون الجهاد وسيلة لحماية دار الإسلام ودولته وأهله، كما إنه وسيلة لفتح الأرض وتوسيع دار الإسلام وبسط سلطان الدولة فيها، ولولا أن الجهاد اليوم جهاد دفع للعدوان عن المسلمين، وه

والمعارضة السياسية في تركيا اليوم دولة فيها كل مقومات النهضة والقوة، حيث لم تحتج الحكومة الجديدة إلا إلى عشر سنوات فقط من الإصلاح الداخلي، لتعود تركيا من جديد كقوة مؤثرة في الساحة الدولية، أدرك الحكمة من قيام الدولة النبوية في المدينة دون غيرها، وهذا النجاح لا تستطيع تحقيقه المعارضة المصرية مثلا لو وصلت للسلطة بالمدة نفسها التي احتاجتها المعارضة التركية حين وصلت، إذ سترث المعارضة المصرية دولة آيلة للسقوط، لا تستطيع تأمين الخبز لشعبها فضلا عن القيام بغيرها!

ولهذا أمكن للمشروع الإيراني أن يتمدد بعد وصوله للسلطة بعد عقدين من الزمن فقط، حيث ورثت الثورة وقادتها دولة قادرة على حمل المشروع على مستوى الإقليم، بما توفر لها من إمكانات جاهزة منذ عصر الشاه!

· لقد واءم النبي صلى الله عليه وسلم بين المثالية والواقعية السياسية، في مراحل جهاده كله، دون أن تحول المثالية بينه وبين التعامل مع الواقع والتفاعل معه بإيجابية تامة، ودون أن تؤدي به الواقعية إلى التخلي عن المثالية والمبدئية التي دعا لها، ففي الوقت الذي كان يبشر أصحابه بفتح فارس والروم، وكأنه ضرب من الخيال وطلب للمحال، كان يعقد صلح الحديبية مع قريش بكل واقعية سياسية وينزل على شروطهم، ويرسل إلى كسرى وقيصر (أسلم تسلم) بكل مثالية سياسية وإيمان جازم!

لقد تجلت هذه المواءمة في مواقف كثيرة ففي مرحلة الدعوة في مكة ومع صدعه بدعوة التوحيد والتنديد بالوثنية والشرك، كان يصل الرحم ويحمل الكل ويعين على نوائب الدهر ويغيث الملهوف، حتى أنه دخل حين رجع من الطائف في جوار المطعم بن عدي وكان مشركا، وحتى قال بعد ذلك حين أسر نفرا من المشركين (لو كان المطعم بن عدي حيا ثم سألني هؤلاء النتنى لوهبتهم له) ردا لجميله وحفظا لمعروفه!

وقال (شهدت في بيت عبد الله بن جدعان حلف الفضول لو دعيت إليه في الإسلام لأجبت) وكان الحلف على نصرة المظلوم والأخذ على يد الظالم!

وكانوا يودعون عنده أموالهم وأماناتهم ثقة به وبأمانته، حتى إذا عزم على الهجرة كلف عليا بردها على أهلها!

فلم يمنعه شرك قومه وكفرهم والعداوة التي بينه وبينهم، من الإحسان إليهم وصلة الرحم لهم، والتفاعل الإيجابي معهم، دون مداهنة أو محاباة أو تخل عن شيء من عقيدته ودينه ومبادئه.

وفي مرحلة الدولة سالم يهود في المدينة وعاهدهم، ورعى ذمامهم وحرمتهم، حتى إذا خان بنو قينقاع ونقضوا العهد، وحاصرهم صلى الله عليه وسلم، اعترضه ابن أبي سلول رأس المنافقين، وقال والله لا أدعك حتى تهبهم لي فإنهم حلفائي، فوهبهم له وتركهم يخرجون من المدينة بأموالهم، وكذا فعل مع بني النضير، فلما خانت بنو قريظة يوم الخندق ووقفوا مع الأحزاب التي حاصرت المدينة، وهزمهم الله، نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وكان حليفهم في الجاهلية، فحكم بقتل من لم يسلم منهم، فنفذ النبي صلى الله عليه وسلم حكمه فيهم وقال (حكمت فيهم بحكم السماء)، ولم يتعارض ذلك مع كونه {رحمة للعالمين}!

فترك حلفاء رأس المنافقين ابن أبي سلول، وقتل حلفاء سيد المؤمنين سعد بن معاذ، وكان في كلا الفعلين مثاليا واقعيا، يسعى لتحقيق العدل الذي جاء لقيمه في الأرض، دون أن يتجاوز حدود الرحمة التي جاء لينشرها في العالمين، فكان حقا (نبي الرحمة والملحمة) نبي القيم والمثل، ونبي الجهاد والعمل!

وفي صلح الحديبية قال (والله لا تسألني قريش خطة يصلون بها الرحم إلا أجبتهم إليها)، وتجلى ذلك حين اعترض سهيل بن عمرو على صيغة المعاهدة حيث كتب النبي صلى الله عليه وسلم (هذا ما صالح عليه محمد رسول الله)، فقال سهيل اكتب (محمد بن عبد الله) فلو كنت أعلم أنك رسول الله ما قاتلتك! فمحاها النبي صلى الله عليه وسلم وكتبها كما أراد سهيل بن عمرو!

كما رضي بما اشترطه المشركون من شروط ظاهرها الإجحاف بحق المسلمين وباطنها الفتح، حتى اشترطوا رجوع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عامهم ذلك لا يطوفون بالبيت، وأن من جاءه مسلما من مكة يرده إليهم، فوافق النبي صلى الله عليه وسلم، حتى اعترض عمر رضي الله عنه وقال (أليسوا المشركين ونحن المسلمون فلم نعط الدنية في ديننا؟!)، وكيف يصالحون المشركين والله وعدهم فتح مكة نفسها كما في الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم !

لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يواءم في ذلك كله بين المبادئ العقائدية والمثالية من جهة، وما تفرضه الواقعية السياسية من جهة أخرى، فكان تحقيق الأهداف المرحلية أمرا ضروريا طبيعيا مهما كان ظاهرها مخالفا للمثالية، ولذا سماه الله فتحا كما في سورة الفتح، فخير للدولة الجديدة في المدينة وأنفع لها أن تقف الحرب بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين مشركي مكة عشر سنين كما جاء في صلح الحديبية، حتى يتفرغ النبي صلى الله عليه وسلم لدعوة سائر العرب وسائر الأمم، وليتصدى لليهود في خيبر في شمال جزيرة العرب، حتى وإن ترك مكة بيد المشركين فترة، مع علمه صلى الله عليه وسلم أنه سيفتحها الله عليه!

وكذا تعامل النبي صلى الله عليه وسلم بواقعية سياسية مع كسرى وقيصر والنجاشي ومقوقس مصر، فأرسل إلى قيصر (إلى هرقل عظيم الروم) وخاطب كسرى(إلى كسر عظيم الفرس)، مع إنه لم يعترف لهم بملك، لأن الملك كله لله، ولذا قال النووي (ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إلى هرقل عظيم الروم )ولم يقل ملك الروم لأنه لا ملك له، ولا لغيره، إلا بحكم دين الإسلام).([1])

فوفق النبي صلى الله عليه وسلم بين المثالية والمبدئية التي لا تعترف بأي ملك إلا لله وحده، وراعى الواقعية السياسية وما تفرضه من الاعتراف بالواقع وحقائقه، إذ كان قيصر فعلا عظيم الروم، وكان كسرى كذلك عظيم الفرس، وإن كانا طاغيتين ظالمين، قد بشر النبي صلى الله عليه وسلم بزوال ملكهما وذهاب أمرهما!

وكذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة يواءم بين المثالية المبدئية والواقعية العملية، فيخاطب الناس من (دخل داره فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، فمع كون الإسلام دين المساواة بين الناس جميعا، لا فرق بين شريف وضعيف، ومع كون أهل مكة مشركين حين دخلها النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن الواقعية السياسية تقتضي الاعتراف بمكانة أبي سفيان السياسية والاجتماعية، وما سيكون لها من أثر إيجابي على أهل مكة كلهم، حين يشعر الجميع أن النبي صلى الله عليه وسلم ودينه الذي جاء به وهداياته وسننه في سياسة الخلق، ليس كالملوك الذين جاء وصفهم في القرآن على لسان بلقيس {إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون}، بل الإسلام على خلاف ذلك، فلا ذليل تحت حكمه وعدله، بل الذليل في حكم الإسلام يعود عزيزا آمنا، والعزيز يزداد عزا وأمنا!

وقد سار الخلفاء الراشدون على هدي النبوة في سياسة الأمة، والمواءمة بين المثالية والواقعية السياسية، ومن أوضح الأمثلة وضع عمر رضي الله عنه الجزية عن نصارى تغلب حين أبوا أن تفرض عليهم جزية، وقالوا نحن عرب خذ منا كما تأخذ الزكاة من العرب، فرضي عمر بذلك

هذا المنشور نشر في مقالات, الفقة الحركي, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s