أيكون تغير الشعب هو الحل؟! (الأخونة 2)

1v

كتب الاستاذ فهمى هويدى عن الأخونة المقالة الثانية :

عن الأخونة ما زلنا نتحدث، رغم أنه ليس فى معطيات الواقع أنها تحققت فى أجهزة الدولة ومؤسساتها، بما يعنى أنه لا دليل على سيطرة الإخوان على مفاصلها ومواقعها الأساسية كما تقول الشائعة الرائجة. وكل الذى حصل ان إخوانيا فاز برئاسة الجمهورية، واختار نائبا له ورئيسا للحكومة من غير الإخوان. ولا أجد غضاضة ولا غرابة فى أن يختار الرئيس بعض أعضاء مكتبه كفاءات من الإخوان الذين كانوا فى حملته الانتخابية. علما بأن رئيس ديوانه اختاره من غير ا لإخوان ــ لماذا الضجة إذن؟

أمس فرقت بين أغلبية من الإسلاميين والإخوان فى مقدمتهم تم انتخابهم فى المجلسين النيابيين والنقابات المهنية، الأمر الذى يحسب على التجربة الديمقراطية، وبين وجود للإخوان فى بعض مواقع السلطة التنفيذية، شأنهم فى ذلك شأن بقية مناصب الجماعة الوطنية. علما بأننى لا أجد شذوذا فى ان يفوز الإسلاميون بالأغلبية فى المجالس النيابية والشعبية المنتخبة فى بلد مسلم بالأساس. لكنى أفهم فى الوقت ذاته ان يقوم الاختيار فى مؤسسات الدولة الرسمية على معيار واحد يخضع له جميع المواطنين وهو الكفاءة، التى ينبغى أن تتقدم على الهوية السياسية أو الدينية.

(إذا حاولنا ان نضع ما حدث فى اطاره الصحيح سنجد ان الثورة صوَّبت الوضع المختل من خلال الممارسة الديمقراطية، فتم رفع الحظر عن الإخوان واكتسبوا شرعية قانونية ففازوا بالأغلبية مع غيرهم من الإسلاميين فى الانتخابات النيابية. الأمر الذى وفر لهم حضورا قويا فى البرلمان. وهذه الشرعية التى اكتسبوها وفرت لهم تمثيلا رمزيا فى الحكومة، ثم انتهى الأمر بانتخاب واحد منهم رئيسا لمصر. وهو ما أزعج الدوائر والعناصر التى استأثرت بالحضور والتمثيل واحتكرت المنابر والصدارات طوال العقود التى خلت. خصوصا بعد ثورة 1952. فى البدء صدمتهم نتائج الاستفتاء الذى تم على التعديلات الدستورية، ثم فاجأتهم نتائح الانتخابات النيابية التى جاءت قريبة من نتائج الاستفتاء. وجاءت نتائج الانتخابات الرئاسية لتكتمل بها دائرة الانزعاج والقلق، فتعالت الأصوات منددة بما وصف انه زحف الإخوان على السلطة ومحذرة من أخونة الدولة، الأمر الذى أثار خليطا من مشاعر الخوف والترويع.

بين الخائفين والساخطين أفرق بين فئتين: أناس اختلفوا مع مشروع الإخوان وآخرون ساخطون على وجودهم من الأساس. والأولون يمارسون حقا ينبغى احترامه وخلافهم يمكن الافادة منه. أما الآخرون فإن موقفهم يوصف عند الحد الأدنى بأنه استئصالى وغير ديمقراطى وغير حضارى.

إننا إذا دققنا النظر فى جذور المسألة سنجد أن الدولة الوطنية فى مصر وفى عدة أقطار عربية أخرى تسلمت قيادتها بعد الاستقلال شرائح كانت خليطا من أطياف العلمانيين والليبراليين الذين ظل استنساخ التجربة الغربية هدفهم الأسمى. ساعد على ذلك تراجع رصيد الخلافة العثمانية فى بداية القرن العشرين وهزيمتها فى الحرب العالمية الأولى، الأمر الذى أسهم فى تكريس الانجذاب نحو النموذج الغربى. وكانت تركيا ذاتها حالة قصوى فى هذا الصدد. إذ أعلنت فيها  الجمهورية فى عشرينيات القرن الماضى، وتبنى الكماليون الذين تسلموا السلطة موقفا معاديا تماما لكل ما انتسب إلى الهوية الإسلامية، من الخلافة إلى حروف اللغة إلى أغطية الرأس ورفع الأذان للصلوات. الشاهد ان الفئات التى هيمنت على السلطة بعد الاستقلال تشبثت بها وفرخت أجيالا احتلت مختلف المنابر والواجهات فى المجتمع. وحين طال العهد بهم فى مواقعهم تلك، فإنهم اعتبروا أنفسهم أصلا وغيرهم استثناء، ومن ثم استقبلوا بمشاعر الدهشة والاستنكار صعود التيارات التى مثلت المجتمع وعبرت عن موروثه الحضارى. وهو ما وضعنا بإزاء حالة لا تخلو من مفارقة، ذلك ان التيار  الإسلامى، الإخوان وغيرهم، أصبح بعد الثورة مقبولا لا سياسيا، لكنه ظل مرفوضا من جانب بعض دوائر المثقفين العلمانيين والليبراليين الذين لم يتخلوا عن سوء ظنهم بفصائله. صحيح أن أغلب تلك الفصائل لم تحسن تقديم نفسها، إلا أن سوء الظن من قبل الآخرين شمل جميع الإسلاميين، الذين أحسنوا تقديم أنفسهم منهم والذين أساءوا.

جدير بالذكر فى هذا الصدد أن لائحة الاتهام لم تكتف بإدانة الأخونة، ولكن الشبهة لاحقت آخرين ممن اتهموا بأنهم «قريبون من الإخوان». والدليل الوحيد لإثبات ذلك القرب أن الأشخاص المتهمين من الملتزمين دينيا، الذين قد يكونون مختلفين مع الإخوان. بمعنى أنهم يصلون ويصومون ويزكون وما إلى ذلك ــ وهو ما ينسحب على 80٪ من المصريين على الأقل. وقد ألحق هؤلاء بالإخوان واعتبر وجودهم فى دوائر السلطة من دلائل الأخونة وعناصر ثبوت التهمة.

إننى أستطيع أن أتفهم دوافع الذين يحاولون الدفاع عن مكتسباتهم ومواقعهم من خلال التخويف من الأخونة والتحذير من دوائر المتدينين القريبة منهم، لكنى أتمنى أن يظل الصراع فى حدود كونه سياسيا وليس صراعا حول الوجود. لأن من شأن استمرار ذلك الموقف أن يوصلنا فى النهاية إلى أن الحل الوحيد للإشكال أن نستبدل الشعب المصرى بأغلبيته المتدينة بشعب آخر منزوع العاطفة الدينية. هل تشم فى هذه الفكرة رائحة أجواء نظام مبارك؟!

هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s