مناجاة على طريق الدعوة (1)

repentance

فى زمن الإنشغال بالعمل السياسى تحت ضغط توابع الربيع العربي نحتاج جميعا إلى العودة للإيمانيات وتقوية صلتنا بالله عز وجل :

للأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله كتاب صغير حجما كبير قيمة ومعنى هو كتاب مناجاة على طريق الدعوة اقتبس منه هذه الكلمات :

قوة الصلة بالله والإيمان الحى القوى من ألزم الأمور للأخ المسلم على طريق الدعوة ليكون بذلك رجل دعوة وجندى عقيدة ، ولكى يتمكن من تخطى العقبات ويتجنب العثرات على  طريق الدعوة ، ولا ينزلق فى المنعطفات التى تحرف عن الصراط المستقيم و الطريق الصحيح ، ولما كان الإيمان وقوة الصلة بالله من مستلزمات  النصر ومن أسبابه  لذلك كان اهتمامنا فى مجال ( فقه الدعوة ) بهذا الجانب من حياة الأخ المسلم فكان كتاب ( زاد على الطريق) ليعين الأخ على التزود بزاد التقوى  والإيمان أثناء السير على الطريق ، وبينا فيه كثير من المصادر هذا الزاد .
هذا الكتاب ( مناجاة على الطريق )  مقصود به أيضاً تقوية الصلة بالله و الحياة مع الله فى الخلوة و المناجاة يبثه كل ما فى قلبه من مشاعر وأحاسيس ، وما يعرض له على الطريق الدعوة من آلام وآمال ، سائلاً إياه الهداية و التوفيق و العون والسداد و الرضا و القبول ، ألا ما أجمل مناجاة العبد لربه إذا صفا لها قلبه وتوجهت إليها همته وما أعظم أثرها على نفسه ، ومن ذاق عرف وداوم .

إن عباد الله يدعون ربهم فى كل وقت وحين وهو قريب يجيب دعوة الداعى إذا دعاه، فقد قال تعالى :{ وإذا سألك عبادى عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداعى إذا دعان * فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون } .

لكن المناجاة لها جوها الخاص وأساليبها وتعبيراتها المتميزة ، خاصة إذا كانت فى جوف الليل الآخر ضمن قيام الليل ، حيث تتحقق الخلوة مع الله و التضرع إليه بعيدا عن الأنظار والأسماع فى هدأة الليل و الناس نيام فقد قال الله تعالى :{ ادعوا ربكم تضرعاً وخفية } ففى المناجاة يخلص القلب الى الله متخلياً عن كل ما سواه ، متحلياً بذل العبودية لله فى جو من الشعور بالضعف و قلة الحيلة واللجوء وطلب العون من القوى العزيز وجو من الشعور بخشية الله و الخوف من عذابه مع الاعتراف بالذنوب وبالتقصير فى حق الله ومع الإلحاح فى طلب العفو و المغفرة من العفو الغفور والشعور بالرهبة و الرغبة وبالطمع و الرجاء مع طلب الرحمة من الرحمن الرحيم .

وفى المناجاة يكون الحمد و الثناء  والشكر و الدعاء و التقدير لله و التقديس والإجلال له ، ويكون التسبيح و التهليل  والتكبير ويكون التوكل و الإنابة  و التوبة والاستغفار ، ويكون طلب الهداية منه والاستعانة به والاستعاذة به وطلب النصر و التأييد فى الدنيا و الفوز و السعادة فى الآخرة ، كل ذلك فى ظلال :{ يحبهم ويحبونه}.

وإذا كان قيام الليل و المناجاة من الأمور اللازمة لكل مسلم فهى لمن يسلك طريق الدعوة ألزم وهو لها أحوج ، ففى قيام الليل إعداد قوى له ليتحمل مشاق الطريق وتكاليف الدعوة ، وما نحتاجه من صبر وقوة وعزيمة وإرادة ، ففى قيام لليل ترويض للنفس على غير ما ألفت من النوم و الدفء والراحة  ، وفيه استمداد العون و الزاد من الله للقيام بأعباء الدعوة وأماناتها .

وقد وجه الله سبحانه وتعالى رسول صلى لله عليه وسلم فى الأيام الأولى للدعوة الى قيام الليل مشيراً الى ثقل الأمانة التى ستلقى عليه ، وأن فى قيام الليل استعانة من الله للقيام بها ، كذلك أوضح الصلة القوية بين قيام الليل وترتيل القرآن  فقال تعالى :{ يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً * نصفه أو انقص منه قليلاً  * أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلاً *إنا سنلقى عليك قولاً ثقيلاً *إن ناشئة الليل هى أشد وطئا وأقوم قيلاً }

و المناجاة غالباً ما تعكس الجو النفسى و المشاعر والأحاسيس التى يعيشها المناجى ، فيظهر ذلك فى أسلوب المناجاة وتعبيراتها .

وكما هو معروف فإن طريق الدعوة مزدحم بالأحداث ملىء بالأحوال  المتغيرة ، مفعم بالآلام و الآمال  ، فيه دعوة وإرشاد ومعالجة للنفوس و العادات فيها إعنات وإيذاء وفيه صبر واحتساب  ، فيه جهاد وتضحية ، وفيه نصر وهزيمة ، فيه فتن وابتلاءات وفيه شرف وعزة ، فيه حب وإيثار وفيه استشهاد وفداء ، فيه صراع بين الحق و الباطل وفيه سيادة وتمكين لدين لله بإذن الله .

لهذا كله ولغيره نجد أن من يسلك طريق الدعوة حاجته ماسة الى المناجاة كما ان له فيها أسلوبه الخاص .

فمن غير الله يلجأ إليه ليبثه شكواه وآلامه وما يعتمل فى نفسه؟

من غير الله يفزع إليه فى مراحل الطريق الموحشة القاسية ؟

من غيرالله يلجأ إليه ليؤمن روعه ويذهب خوفه؟

من غير الله يدعوه ليفرج كربه وهمه ويذهب حزنه ؟

من غير الله يؤنس وحدته فى ظلام زنزانته المغلقة ؟

من غير الله يسأله أن يخفف ألم السياط وصنوف التعذيب الواقعة على جسده ؟

من غير الله يلوذ به عندما يشتد به الحال من كيد الظالمين وبطشهم ؟

من غير الله ينزل عليهالسكينة ويملأ قلبه طمأنينة وسط هذا لجو من الظلم و الظلام ؟

من غير الله يحفظه من الفتن ومن نزغات الشيطان ووساوس النفس ؟

من غير الله يحفظه ويعصمه من الانحراف عن طريق الدعوة وعن الصراط المستقيم ؟

كيف لايلجأ الى الله وهو لايستطيع أن يخطو خطوة على طريق الدعوة إلا بأمر من الله وعونه؟

كيف لا يلجأ الى الله دائماً وهو إذا وكله الله الى نفسه طرفة عين ضل أو زل ؟

كيف لا يلجأ الى الله وهو الفقير الى الله والله هو الغنى ؟

كيف لا يلجأ الى الله وهو الضعيف والله هو القوى ؟

كيف لا يلجأ الى الله وهو المذنب فى حق الله و الله هو الغفار التواب الرحيم .

ما أشد حاجة من يسلك طريق الدعوة الى أن يمسح الله على قلبه فيطهره من أمراض القلوب ليكون قلبه خالصاً سليماً نقياً  ! .

ما أشد حاجته الى أن ينظر الله إليه فى جوف الليل نظرة رضاء وقبول .

ما أشدحاجته الى أن يفتح الله له أبواب رحمته ، فلا فلاح ولا نجاح له إن أمسك الله عنه رحمته .

ما أشد حاجته الى أن يمسح لله على قلبه فيزيل ما عليه من ران أو أقفال حتى يشع نور القرآن فى قلبه .

ما أشد حاجته الى مناجاة ربه ليحظى بزاد الإيمان الذى يعينه على مشاق الطريق ومزالقه .

ما أشد حاجة الأرواح عندما تظمأ الى أن تجد الرى فى حسن صلتها بالأصل الذى نفخت منه فى هذا الوعاء الطين الفانى.

* ثم إن العمل على طريق الدعوة لاتغنى فيه الكفاءة الإدارية والدقة فى التنظيم  والحركة إذا لم يصاحب ذلك ويعلو عليه  الزاد الروحى وقوة الصلة بالله بما يؤهل لتوفيق الله وللحفظ من الخطأ والانحراف ، والمناجاة وسيلة لجلب هذا الزاد .

هذا المنشور نشر في كتب, مشروع إحياء الربانية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s