كلنا مشوهون أيها السادة !

 

المقالة الاسبوعية للأستاذ فهمى هويدى مقالة رائعة كالعادة وتستحق القراءه :

الأشهر التي مضت من عمر الثورة المصرية سمحت لنا بأن نتفرس في وجوهنا كما تبدت في مرآة الحقيقة، الأمر الذي كشف عن أننا جميعا خرجنا مشوهين من رحم النظام السابق.

(1)

الفكرة المفتاح فيما أتحدث عنه أننا جميعا أبناء بيئة اجتماعية وسياسية واحدة، وإن اختلفت مشاربنا ومرجعياتنا الفكرية والسياسية.

وهذه البيئة خضعت طوال الثلاثة أو الأربعة عقود الأخيرة لنظام اقترن فيه الاستبداد المقيم بالفساد المستشري.
وللاستبداد طبائعه المدمرة. فهو مؤذن بفساد العمران. بمعنى الاجتماع البشري، عند ابن خلدون. وهو أصل كل فساد آخر عند عبدالرحمن الكواكبي،
وقد فصَّل في ذلك في كتابه الشهير الذي تحدث عن تلك الطبائع. ونوه في مقدمته إلى أهمية أن
«يعرف الذين قضوا نحبهم أنهم هم المتسببون لما حل بهم، فلا يعقبون على الأغيار ولا على الأقدار».

ليس منا إذن من نجا من التأثر بأجواء المرحلة السابقة. وليس بوسع أي أحد أن يدعي أنه كان معصوما من أصدائها.

بالتالي فلا محل للتساؤل عن وجود ذلك الفساد من عدمه، ولكن السؤال قد يصح إذا ما انصب على درجة التأثر بتلك الأجواء.
وهو ما يسوغ لي أن أقول إننا جميعا ــ أفرادا وجماعات ــ خرجنا من النظام السابق بيوتنا من زجاج، قد تختلف فيه درجة الهشاشة ولكنه يظل زجاجا في نهاية المطاف.

بوجه أخص، فإن طول عمر النظام السابق، الذي استمر ثلاثين عاما، وفر له فسحة كافية لتفكيك المجتمع وإعادة تركيبه من جديد بالمواصفات التي ارتآها مناسبة له.

رأينا ذلك بصورة جلية في مؤسسات السلطة وجهازها الإداري،
كما رأيناه في الكيانات السياسية التي ظهرت في تلك الفترة،
بل رأيناه أيضا في تراجع منظومة القيم السائدة في المجتمع.

(2)

إن بعض أنصار النظام السابق وأبواقه ما برحوا يتحدثون عن الأسواق الكبيرة (المولات) التي ظهرت في عهده والمنتجعات والجسور التي أنشئت، وشبكة المترو التي امتدت وأعداد المشاركين في الإنترنت ومشتري الهواتف النقالة وغير ذلك.

وهذا قد يكون صحيحا، إلا أنه يظل منسوبا إلى محيط العمران الإنشائي إذا صح التعبير، لكنه أبعد ما يكون عن العمران الاجتماعي والبشري.

بكلام آخر فإن البنايات والمشروعات التي نفذت لا تعد دليلا كافيا على التقدم، وإنما هي بعض مظاهر التقدم الذي ينبغي ألا يقاس بالمشروعات الاستهلاكية والإنشائية وحدها، ولكنه يقاس أساسا بمدى إيجابية منظومة القيم الحاكمة للمجتمع في المجالات المختلفة.

إن ما تتحدث عنه هذه الأيام وسائل الإعلام وما تلوكه ألسنة الطبقة السياسية المصرية، عن الاستحواذ والإقصاء والتهميش وإهدار أحكام القضاء وسلطة القانون.

هذه العناوين كلها ليست طارئة في فضائنا السياسي، ولكنها من مخلفات ومواريث النظام السابق. أو قل إنها جزء من ثقافة تلك المرحلة التي لم نتخلص منها بعد.

في هذا الصدد أزعم أن الذين مكنوا من موقع في ظل النظام السابق مارسوا ذلك الذي ينتقدونه اليوم، إلا من رحم ربك بطبيعة الحال.

لا أعني نظام مبارك وحزبه الوطني فحسب، ولكنني أعني أيضا مختلف الجماعات والقوى السياسية التي حالفها حظ التمكين، وقدر لها أن تدير منبرا أو جماعة أو منظمة في تلك المرحلة.

أتحدث عن شرائح الليبراليين والعلمانيين واليساريين الذين كان أغلبهم إما مرضيا عنهم من قبل النظام السابق أو متحالفين معه.

صحيح أن مبارك سلم مقاليد السياسة والإدارة لجماعته الذين شغلوا المواقع الأساسية في السلطة والحزب. إلا أنه سلم أبرز منابر الإعلام والثقافة لممثلي تلك الشرائح.

وظل الاتفاق غير المكتوب بين الجانبين مستقرا على إقصاء الإسلاميين وتهميشهم حيثما وجدوا.

عندي عشرات القصص التي تؤيد تلك المقولة، بعضها يتعلق بخبرات شخصية والبعض الآخر يخص آخرين أعرفهم، لكني لا أريد أن أذكر أسماء حتى لا أحرج أحدا.

لذلك سأكتفي بالإشارة إلى ثلاثة نماذج فقط،
فقد حرِّمت جوائز الدولة التقديرية على أي مرشح من الإسلاميين حتى إذا لم يكن من الإخوان.
وتم ذلك طوال الوقت بتوافق بين مجموعة من المثقفين وبين جهاز أمن الدولة،

وعبرَّ لي أعضاء في إحدى اللجان الاستشارية لمشروع ثقافي خليجي كان يختار كل عام شخصية عربية يمنحها جائزته عن استيائهم من موقف اثنين من المثقفين المصريين ــ أحدهما صار وزيرا فيما بعد ــ دأبا على الاعتراض على أي شخصية إسلامية ترشح للجائزة، خصوصا من بين المصريين
ولم يكن هناك تفسير لذلك سوى أن الاثنين من العلمانيين الأصوليين، الذين أصبحوا الآن يعظوننا في ضرورة القبول بالآخر واحترامه.

النموذج الثاني يتعلق بقصة الدكتور نصر أبوزيد، الذي اعترضت حينها على فكرة محاكمته ولكن القضاء بمختلف مراتبه أدانه، بما في ذلك محكمتا الاستئناف والنقض.

حينذاك انهالت مقالات وتصريحات تسفيه القضاء واتهامه بالتحيز لصالح الإسلاميين واختراقه من جانبهم.

وهؤلاء الذين ظلوا يكيلون الاتهامات للقضاء وقتذاك وجدناهم يتصدون للدفاع عنه ويشددون على ضرورة احترام أحكامه، حين أصدرت المحكمة الدستورية مؤخرا حكمها الذي دعت فيه إلى حل مجلس الشعب ذي الأغلبية الإسلامية.

لاتزال تلك النخب تمارس إرهابها الفكري في ذات الاتجاه الأمر الذي دفع وزير الثقافة الحالي لأن يصرح لصحيفة (المصري اليوم) في حديث نشرته له في 7/9 الحالي قائلا
إنه لم يستعن بإخواني واحد في أي موقع ثقافي.
ويبدو أنه بذلك الإقصاء أراد أن يبرئ ساحته ويثبت أنه عند حسن ظن تلك الفئات به ليأمن من التشهير والاتهام في وسائل الإعلام التي يسيطرون عليها.

(3)

لا أريد أن أبرز الاستحواذ الذي يتحدثون عنه هذه الأيام وهو ما أدينه وأستنكره إذا صح.
ولكني أردت فقط أن أنبه إلى أن ثمة أمراضا من مخلفات النظام السابق توطنت في الساحة الثقافية المصرية، فأصابت الجميع ولم يعد أحد مبرأ منها، وبسبب عموم البلوى، فليس لأحد أن يكابر ويعاير الآخر بما أصابه.
ولكن واجب الوقت ونداءه هو كيف نعالج أنفسنا لنبرأ جميعا من تلك الآفات. وأولى مراحل العلاج أن يعترف المريض بمرضه.

إن قسمة البلدين إلى معسكرين
الأول انخرطت فيه ما سمي بالقوى المدنية،
والثاني شمل التيارات الإسلامية التي عرفت باسم القوى الدينية
هو صياغة حديثة أضفت نوعا من التقنين للحرب الباردة التي ظلت مستمرة طوال الفترة الماضية.

وما استجد فيها أن الطرف الإسلامي اكتسب شرعية وخروجا من الظل إلى الضوء والنور.

وقد ذكرت من قبل أنها صياغة خطرة ومغلوطة كرست التقاطع بين الطرفين وأغلقت باب التلاقي أو حتى التوازي بينهما.
الأمر الذي يعني أن الطرفين خرجا متخاصمين من خبرة النظام السابق. وبدت خصومة الطرف العلماني والليبرالي واليساري أشد.
ليس فقط لأنه ظل تاريخيا منحازا إلى موقف الرفض الحاسم للإسلاميين، ولكن أيضا لأنه استشعر أن صعود الأخيرين يهدد احتكار الأولين للمواقع التي هيمنوا عليها طوال الوقت.

هذه المفاصلة بين الطرفين ظلت مصدرا للتشوهات التي أصابتهما معا.
ذلك أن خصامهم لم يتح لهم أن يعملوا معا، فلم يعرفوا بعضهم بعضا ولم يثقوا في بعضهم بعضا.
وبالتالي ظل سوء الظن مخيما على علاقاتهم.

فقد ظن بعض الإسلاميين أن الآخرين متفلتون وضالون إن لم يكونوا كفارا ومطعونا في إسلامهم وهي معان كرسها وضعهم في موقف الضد من المتدينين.

وشاع في أوساط الآخرين أن الإسلاميين جهلاء ومتخلفون ويتاجرون بالدين. وتنطع بعضهم حتى وصفوهم بالمتأسلمين.

(لاحظ أن بعض رسامي الكاريكاتير لا يزالون يقدمون الإسلاميين باعتبارهم رموزا للتخلف والقبح والغباء وليس فيهم ما يدعو إلى التقدير أو الاحترام).

ذلك التوجس المتبادل المسكون بالنفور وعدم الثقة، كان كفيلا بتعطيل وإفساد أي عمل مشترك بين الطرفين، حتى بدا أن كلا منهما ليس مؤهلا للتعاون مع الآخر، الأمر الذي لم يكن مستغربا أن يفشل الطرفان في التفاعل فيما بينهما وأن تصبح كلمة التوافق عنوانا فارغ المضمون.

إذا أردنا أن نتصارح أكثر فينبغي أن نعترف بأننا بعد الثورة حاولنا أن نؤسس نظاما ديمقراطيا في حين أننا ظللنا نفتقد إلى الثقافة الديمقراطية، حيث لم نتعلم كيف نعمل معا، وكيف يمكن أن نستخلص من الآخر أفضل ما فيه لتنتفع به الجماعة الوطنية، بدلا من أن ننشغل بإبراز أسوأ ما في الآخر لإقصائه ونفيه من الساحة الوطنية.

(4)

الخلاصة أننا لابد أن نعترف بأننا مازلنا في «حضانة» أو تمهيدية الديمقراطية.
من ثَمَّ فحاجتنا ملحة لأن نستعيد ثقافة الممارسة الديمقراطية، فيتعرف بعضنا على بعض، بحيث يكمل كل منا الآن، ولا يتردد في التعلم منه. بغير استعلاء أو استكبار.
والحرص على التعلم واكتساب الخبرة يتطلب تواضعا للذات واحتراما وتقديرا للآخر.

هذه الروح تستصحب اقتناعا ضروريا بأن الجميع شركاء في الوطن، الذي هو أكبر من أي طرف بذاته،
وبالتالي فإن النهوض بذلك الوطن يقتضي تفاعلا بين أطيافه واحتشادا لكل مكوناته.

في هذا الصدد أذكر بأنني دعوت من قبل إلى ترحيل مطلب تطبيق الشريعة المثير للخلاف، والاكتفاء في الوقت الراهن بالاتفاق على مجموعة من المبادئ والقيم التي تحظى بالإجماع الوطني، قياسا على ترحيب النبي محمد بفكرة حلف الفضول الذي عقده نفر من وجهاء قريش لحماية الضعفاء قبل الإسلام،
وهو ما يجعلني أدعو إلى خطوة أخرى على طريق تواضع الأهداف، مناديا بالكف عن الحديث عن مشروع «النهضة» الذي يبدو المصطلح فيه أكبر بكثير من قدرة وطاقة المجتمع الذي يمر بفترة النقاهة.
بل أدعو إلى الاعتراف بأن جميع القوى السياسية والإسلامية في المقدمة منهم ليست لديها إستراتيجيات واضحة المعالم للمستقبل.

ذلك أن تلك القوى لم تحلم يوما ما بأن تكون شريكة في إدارة البلد، ولم يتجاوز حلمها طوال تلك المرحلة حدود إثبات الحضور ضمن مؤسسات النظام السابق.

أما الإخوان فقد ظلوا مشغولين طوال الوقت بالدفاع عن الذات وأحكام الحفاظ على التنظيم في مواجهة الغارات المستمرة التي ظلوا يتعرضون لها.

وإذا صح ذلك فإنه لا ينبغي أن يكون سببا لإحباطنا، ولكنه يجب أن يكون حافزا لإقناعنا بحاجة كل منا للآخر، لوضع إستراتيجيات النهوض المرجوة من خلال التجربة والخطأ.
وهو ما لا يشين أحدا أو ينتقص من قدره. لأن المشين حقا أن يدعي أي طرف أن لديه إستراتيجيات كاملة الأوصاف للحاضر والمستقبل والداخل والخارج، في حين أنه لا يزال يتعلم ويحاول التعرف على محيطه وعلى العالم من حوله.

إن أولى خطوات علاج أي مريض أن يعترف بمرضه، وهو ما لا أراه حاصلا حتى الآن، رغم أننا لسنا بالسوء الذي يعجزنا عن ذلك ــ سنواصل الكلام في الموضوع الأسبوع المقبل بإذن الله.
…………….

هذا المنشور نشر في مقالات. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s