مبادىء أم أحكام أم الشريعة هى مصدر التشريع ( قراءه فى موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام )

 29 

هناك لغط كبير الآن فى طريق وضع الدستور حول المادة الثانية وهل توضع فيها كلمة مبادىء أم الشريعة واتفق على أن تكون مبادىء الشريعة مصدر التشريع وأضيفت مادة تفسر ما هى مبادىء الشريعة وهى مادة 221 وتنص أن مبادىء الشريعة تشمل أدلتها الكلية وقواعدها الأصولية والفقهية ومصادرها المعتبرة فى مذاهب أهل السنة والجماعة

وأثناء دراستى فى موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام للشهيد عبد القادر عودة والتى وضعت تدوينات متعددة منها فى المدونة عثرت على هذا الجزء يتحدث فيه عن القواعد التشريعية التي تراعى عند التفسير ووجدت كلام نفيس يفسر كيف أن مبادىء الشريعة هى فعلا مصدر التشريع بنفس التفسير الذى جاء فى مشروع مسودة الدستور

يفسر أولا الشهيد عبد القادر عودة ماهية القواعد التشريعية فيقول :

وضع علماء الأصول بعض القواعد التشريعية التي يجب الإلمام بها ومراعاتها على كل من يتعرض لتفسير النصوص التشريعية، وقد استمدوا هذه القواعد من استقراء الأحكام التي جاءت بها النصوص وعلل هذه الأحكام، ومن المبادئ العامة للشريعة وروح التشريع، حيث تبين لهم أن الشارع أراد من الشريعة أن يحقق مقاصد عامة، وأن بعض النصوص شرعت لحماية حقوق الجماعة، والبعض شرع لحماية حقوق الأفراد، والبعض شرع لحماية حقوق الجماعة وحقوق الأفراد معاً، فإذا راعى القاضي أو الفقيه هذه الاعتبارات كان له أن يجتهد في معرفة الأحكام ما لم يكن هناك نص صريح.

 

مقاصد الشارع العامة من التشريع الإسلامي:

لم يضع الشارع الأحكام الشرعية اعتباطاً، وإنما قصد بها تحقيق مقاصد عامة، ولا يمكن أن تفهم النصوص على حقيقتها إلا إذا عرف مقصد الشارع من وضعها، لأن دلالة الألفاظ والعبارات على المعاني قد تحتمل أكثر من وجه، والذي يرجح واحداً من هذه الوجوه على غيره هو الوقوف على قصد الشارع، وقد تتعارض النصوص بعضها من بعض فلا يرفع هذا التعارض ولا يوفق بينها إلا معرفة ما قصده الشارع منها، فيجب إذن على كل باحث في التشريع الإسلامي أن يلم قبل كل شئ بمقاصد الشارع من التشريع، وأن يعرف الوقائع التي نزلت من أجلها نصوص القرآن، أو وردت فيها السنة، لتساعده على فهم النص، وأسباب النزول والورود مبينة في كتب التفسير والسنة. وقد حصر علماء الأصول مقاصد الشارع العامة من التشريع في ثلاثة مقاصد:

المقصد الأول:

حفظ كل ضروري للناس في حياتهم: والأمر الضروري هو ما تقوم عليه حياة الناس ولابد منه لاستقامة مصالحهم، وإذا فقد اختل نظام حياتهم وعمت فيهم الفوضى وانتشر الفساد.

والأمور الضرورية ترجع إلى خمسة أشياء:

(1) الدين (2) النفس (3) العقل (4) النسل (5) المال.

وقد شرع الإسلام لكل واحد من هذه الضروريات الخمسة أحكاماً تكفل إيجاده وإقامته، وأحكاماً تكفل حفظه وصيانته، فكل حكم يكفل إقامة هذه الأمور الخمسة أو حفظها هو حكم ضروري.

المقصد الثاني:

توفير ما هو حاجي للناس: والأمر الحاجي هو ما يحتاج إليه الناس للتيسير واحتمال مشاقالتكليف وأعباء الحياة، وإذا فقد لا يختل نظام حياتهم ولا تعم الفوضى ولكن ينالهم الحرج والمشقة، فالأمور الحاجية بهذا المعنى تشمل كل ما يرفع الحرج، ويخفف مشاق التكليف، وييسر طرق التعامل.

المقصد الثالث:

تحقيق ما فيه تحسين لحال الأفراد والجماعة: والأمر التحسيني هو ما تقتضيه المروءة والآداب وسير الأمور على أحسن منهاج، وإذا فقد لا يختل نظام حياتهم كما إذا فقد الأمر الضروري، ولا ينالهم حرج كما إذا فقد الأمر الحاجي، ولكن تكون حالهم مستنكرة في تقدير العقول الراجحة والفطر السليمة.

والأمور التحسينية بهذا المعنى ترجع إلى مكارم الأخلاق ومحاسن العادات وكل ما يقصد به سير الناس في حياتهم عل أفضل الطرق وخير المناهج.

ترتيب المقاصد العامة في التشريع:

الضروريات هي أهم المقاصد إذا ترتب على فقدها اختلال النظام والأمن وشيوع الفوضى. وتليها في الأهمية الحاجيات؛ لأنه يترتب على فقدها وقوع الأفراد والجماعة في الحرج والعسر وتحميلهم المشاق. وتليها التحسينية، وفقدها لا يترتب عليه تقويض النظام، ولا اختلال الأمن، ولا وقوع الناس في حرج، وإنما يترتب على فقدها الخروج على ما تستحسنه العقول، والبعد عن الكمال الإنساني. ومن ثم كانت الأحكام التي شرعت لحفظ الضروريات أحق الأحكام بالمراعاة، ثم تليها التي شرعت لتوفير الحاجيات، وهكذا.

ومن المقرر أنه لا يراعى حكم تحسيني إذا كان في مراعاته إخلال بحكم حاجي، ولا يراعى حكم حاجي إذا كان في مراعاته إخلال بحكم ضروري، ولذا أبيح كشف العورة إذا أقتضى هذا علاج أو جراحة؛ لأن ستر العورة أمر تحسيني والعلاج أمر ضروري، وأبيح تناول النجس للتداوي وفي حالة الضرورة؛ لأن المنع من النجاسات تحسيني والتداوي ودفع الضرورة أمر ضروري.

وتجب الفرائض والواجبات على المكلفين ولو شق عليهم ذلك، لأن الفرائض والواجبات من الضروريات، ورفع المشقة والحرج أمر تحسيني، فلا يراعى التحسيني إذا مس الضروري.

والأحكام الضرورية لا يجوز الإخلال بها إلا إذا كانت مراعاتها تؤدي إلى الإخلال بضروري أكثر أهمية، فالجهاد واجب لحفظ الدين؛ لأن حفظ الدين أهم من حفظ النفس. وشرب الخمر يباح لمن أكره على شربها أو اضطر إليها؛ لأن حفظ النفس أهم من حفظ العقل. وإذا كانت وقاية النفس من الهلاك في إتلاف مال الغير، كان للإنسان أن يقي نفسه من الهلاك ويتلف مال غيره؛ لأن حفظ النفس أهم من حفظ المال.

حقوق الجماعة وحقوق الأفراد:

أفعال المكلفين سواء كانت جرائم أو لم تكن، بعضها حق خالص لله، أو حق الله غالب فيه. وبعضها حق خالص للمكلف، أو حق المكلف غالب فيه.

وحين يعبر الفقهاء بما هو حق لله يقصدون ما هو حق للجماعة، وما قصد به تحقيق مصلحتها وحفظ النظام العام فيها، وقد جعلوه حقاً لله؛ لأنه لم يقصد به نفع فرد معين، وليس للأفراد حكاماً أو محكومين حق إسقاطه أو العفو عنه أو إهمال إقامته.

ويعتبر من حقوق الله الخالصة؛ أي من حقوق الجماعة: الضرائب، والعقوبات على الجرائم الماسة بالجماعة كالزنا والسرقة والحرابة، والعقوبات التعبدية كالكفارة، وغير ذلك مما يمس حقوق الجماعة ويؤثر على أمنها ونظامها وتماسكها وقوتها.

وهناك أفعال تمس حقوق الأفراد ولكن حق الجماعة غالب عليها، كحد القذف؛ لأن الجريمة تمس الأعراض، ففي العقوبة عليها مصلحة خاصة للمقذوف كما أن في عدم التبليغ عنها مصلحة خاصة له أيضاً؛ لأن للقاذف أن يثبت صحة القذف، وإثبات ذلك قد يؤدي إلى إقامة حد الزنا على المقذوف. ولما كانت الجريمة تمس الأعراض، وتؤدي إلى التنابز والتعادي، وتشويه السمعة، وتلويث الأمهات والأولاد، والتشكيك في نظام الأسرة، جعل الحد حقاً لله، وغلب حق الله على حق المقذوف بحيث إذا أثبتت الجريمة فليس للمقذوف أن يتنازل أو يعفو، وإن كان له أن يبلغ عن الجريمة.

وهناك أفعال تمس حقوق الجماعة ولكن حق الفرد غالب فيها، مثل القتل، فإنه يمس أمن الجماعة ونظامها، ويمس الأفراد مساساً مباشراً، والعقوبة عليه وضعت لحفظ مصالح الجماعة والأفراد، ولكن أعطى للفرد حق العفو عن عقوبة القصاص أو عقوبة الدية، فغلب بذلك حق الفرد على حق الجماعة.

والأفعال التي تمس حقوق الأفراد الخالصة هي التي تمس حقوقاً ترك للأفراد أن يستوفوها أو يتركوها، كتحصيل الدين، وحبس العين المرهونة، والمطالبة بالتعويض المترتب على فعل الجاني.

ومع أن الفقهاء يقسمون الحقوق إلى حقوق لله وحقوق للأفراد، إلا أن الكثيرين منهم يرون –بحق- أن كل ما يمس حق الجماعة الخالص أو حق الأفراد الخالص يعتبر حقاً لله تعالى، أي من حقوق الجماعة ونظامها؛ لأن كل حكم شرعي إنما شرع ليمتثل ويتبع ومن حق الله على عباده أن يمتثلوا أوامره، ويجتنبوا نواهيه، ويعلموا بشريعته، فكل حكم إذن فيه حق لله من هذه الوجهة، وإذا قيل إن حكماً ما يرتب حقاً مجرداً للفرد ففي ذلك كثير من التجاوز، ولا يعتبر هذا القول صحيحاً على إطلاقه، وإنما يصح على تغلب حق العبد في الأمور الشخصية، كذلك فإن ما يعتبر حقاً خالصاً لله يمس دون شك مصالح الأفراد إما عاجزاً أو آجلاً؛ لأن الشريعة إنما وضعت لتحقيق مصلحة العباد.

واختم بنقل هذا الكلام النفيس عن الإجتهاد :

الاجتهاد:

الاجتهاد في الاصطلاح: هو بذل الجهد للوصول إلى معرفة حكم شرعي، من دليل تفصيلي من الأدلة التي يضعها الشارع للدلالة على الأحكام.

والقاعدة أنه إذا كان النص صريحاً قطعي الورود والدلالة فلا مجال للاجتهاد فيه، ويجب تطبيقه بحالته؛ لأنه قطعي الورود، أي: لا شك في وروده عن الله أو الرسول، فليس وروده محل بحث، ولأنه قطعي الدلالة فليس معناه محل بحث، ومن هذا آيات الأحكام المفسرة والمحكمة مثل قوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ} [النور: 2]، فلا مجال للاجتهاد في معاقبة الزاني بالجلد، ولا في عدد الجلدات، وكذلك لا اجتهاد في كل العقوبات المقدرة، ومثل الآيات القرآنية المفسرة أو المحكمة السنن المتواترة المفسرة.

أما إذا كان النص ظني الورود أو الدلالة فهو محل للاجتهاد، وللمجتهد أن يبحث في الدليل من حيث سنده وطريق وصوله إلينا، ومن حيث دلالته على معناه.

ومجال الاجتهاد واسع فيما لا نص فيه، فالمجتهد يبحث الواقعة التي لا نص فيها ليصل لمعرفة حكمها عن طريق القياس، أو الاستحسان، أو الاستصحاب، أو العرف، أو المصالح المرسلة، وهذا ممكن في المسائل المدنية والشخصية، وفي الإجراءات الجنائية، ولكنه غير ممكن في تقرير الجرائم والعقوبات؛ لأن الجرائم والعقوبات لابد فيها من النص الصريح، ولا يؤخذ فيها بالقياس أو غيره كما ذكرنا قبلاً.

كلمة ختامية عن قواعد التفسير:

هذه هي القواعد العامة اللغوية والتشريعية التي وضعها الفقهاء للاهتداء بها في تفسير النصوص، على القاضي أن يستعين بها في تفهم النصوص، ومعرفة مراميها، وما يدخل تحتها، كما أن هذه القواعد تعينه على معرفة النص الواجب التطبيق، ومدى سلطته في تفسير النص أو إعماله أو إبطاله. وإذا كان للقاضي المدني أن يطبق هذه القواعد بتوسع، وأن يجعل للقياس والعرف والعدالة وغير ذلك من الاعتبارات مكاناً عند تفسير النص وتطبيقه، إلا أن القاضي الجنائي مقيد بأن يحصر اجتهاده في تفسير النص وتطبيقه على الواقعة المعروضة عليه، فليس له أن يخلق جريمة أو عقوبة من طريق القياس أو العرف أو الاستحسان، ولو كانت الواقعة المعروضة عليه مما ينفر منها الخلق الفاضل. وليس للقاضي الجنائي أن يخالف النص الصريح مهما كانت الظروف والاعتبارات، وعليه أن يراعى في كل الأحوال مبدأين شرعيين أساسيين: وأولهما قول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((ادراءوا الحدود بالشبهات))، وثانيهما: قوله: ((إن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة))

هذا المنشور نشر في كتب, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s