المساواة فى العقوبة بين الاشخاص بين القانون الوضعى والشريعة الإسلامية -1 (قراءه فى موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام )

 42

 

تزداد أهمية هذه التدوينات المستمرة من كتاب موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام هذه الايام مع زخم وضع الدستور :

تدوينة اليوم هى مقارنة للاستاذ عبد القادر عوده بين القانون الوضعى والشريعة الإسلامية فى مبدأ سريان النصوص الجنائية على الأشخاص  يقول رحمه الله وطيب ثراه :

كان القانون الوضعي حتى آخر القرن الثامن عشر يميز بين الأفراد ولا يعترف بالمساواة بين المحكومين، وكان يميز بينهم في المحاكمة وفي توقيع العقوبة، وفي تنفيذ العقوبة، وكانت المحاكم تتعدد تبعاً لتعدد طوائف الأمة، فللأشراف محاكم خاصة وقضاة من طبقة معينة، ولرجال الدين محاكم خاصة وللجمهور محاكم خاصة، ولكل من هاتين الطائفتين قضاتهم. وكانت الجريمة الواحدة يعاقب عليها أما هذه المحاكم المختلفة بعقوبات مختلفة، وكان لشخصية الجاني اعتبارها في القانون، فالعمل الذي يأتيه الشريف ويعاقب عليه بأتفه العقوبات يعاقب عليه الشخص العادي إذا أتاه بأقصى العقوبات، وكانت العقوبة تنفذ على الشريف بطريقة تتفق مع شرفه، ولكنها تنفذ على رجل الشارع بطريقة تتفق مع ضعته وحطته؛ فإذا حكم بالإعدام مثلاً على شريف ووضيع ضربت رقبة الشريف بالسيف، وشنق الوضيع في حبل كما تشنق الكلاب، وكانت بعض الأفعال تعتبر جرائم إذا أتاها العامة يحاسبون عليها أشد الحساب، بينما يأتيها الأشراف ورجال الدين في كل وقت فلا يحاسبون عليها ولا يحاكمون عنها.

كان هذا شأن القانون الجنائي الوضعي حتى أواخر القرن الثامن عشر، حتى جاءت الثورة الفرنسية، فجعلت المساواة أساساً من الأسس الأولية في القانون، وأصبحت القاعدة أن تسري نصوص القوانين على الجميع، ولكن مبدأ المساواة بالرغم من ذلك لم يطبق تطبيقاً دقيقاً حتى الآن، إذ لم يكن من السهل التخلص من التقاليد القديمة دفعة واحدة وإنكار الماضي كله، فبقيت حالات من التمييز وعدم المساواة اعتبرت استثناءات من مبدأ المساواة التامة، وراح بعض الكتاب ينتحل لها المعاذير أو يبررها بحيل قانونية، بينما راح البعض ينتقدها ويطالب بإلغائها، وكانت الغلبة للفريق الأخير، إذ اتجهت إلى رأيه بعض التشريعات الحديثة التي وضعت في آخر القرن التاسع عشر وفي القرن الحالي (القرن العشرين)، فضيقت من مدى هذه الاستثناءات أو حاولت أن تقضي على بعضها، وأغلب المفكرين اليوم يدعون إلى مساواة التامة، ويعملون جاهدين لتحقيقها، وقد تتحقق المساواة التامة قريباً وقد لا تتحقق، ولكنها الأمل الذي تحتاج له القلوب وتتجه إليه الإنسانية. :

ومن أظهر الأمثلة على عدم المساواة في القوانين الوضعية ما يأتي:

 

أ- تمييز رئيس الدولة:

تميز القوانين الوضعية دائماً بين رئيس الدولة الأعلى ملكاً كان أو رئيس جمهورية وبين باقي الأفراد، فبينما يخضع الأفراد للقانون لا يخضع له رئيس الدولة بحجة أنه مصدر القانون، وأنه السلطة العليا، فلا يصح أن يخضع لسلطة هي أدنى منه وهو مصدرها.

وتعتبر بعض الدساتير ذات الملك مقدسة، كالدستور الدنمركي والدستور الأسباني قبل الجمهورية، أما الدستور الإنجليزي فيجعل ذات الملك مصونة لا تمس، ويفترض أن الملك لا يخطئ، وفي بلجيكا ومصر ذات الملك مصونة لا تمس، وكذلك كان الحال في إيطاليا ورومانيا قبل إلغاء النظام الملكي.

والأصل في النظام الجمهوري أن رئيس الجمهورية غير المسئول، وكانت شعوب العالم تعترف بهذا الوضع لرؤساء الدول الجمهورية حتى القرن التاسع عشر، ثم بدأت تخرج عليه تحقيقاً لمبدأ المساواة، فالدستور الفرنسي يجعل رئيس الجمهورية مسئولاً جنائياً في حالة واحدة هي حالة الخيانة العظمى، ودستور تشيكوسلوفاكيا قبل الحرب الأخيرة أجاز التحقيق مع رئيس الجمهورية في حالة الخيانة العظمى، والدستور البولندي الذي وضع بعد الحرب سنة 1914 جعل رئيس الجمهورية مسئولاً جنائياً في حالة الخيانة العظمى والاعتداء على الدستور، كما جعله مسئولاً إذا ارتكب جريمة عادية، واشترط لمحاكمته إذن البرلمان وأغلبية خاصة.

ونستطيع أن نستخلص مما سبق أن القوانين الوضعية تأخذ بنظريات ثلاث في مسئولية رؤساء الدول عما يرتكبون من جرائم: فالنظرية الأولى لا تجعل الرئيس مسئولاً عن أية جريمة ارتكبها، والنظرية الثانية تجعله مسئولاً عن بعض الجرائم دون البعض الآخر، والنظرية الثالثة تجعله مسئولاً عن كل الجرائم التي يرتكبها.

ولا شك أن مسئولية رؤساء الدول قد تطورت في القوانين الوضعية تطوراً عظيماً، فبعد أن كانت القاعدة العامة –حتى القرن الثامن عشر- إعفائهم من المسئولية إعفاء تاماً، أهملت تلك القاعدة، وأصبح الكثيرون من رؤساء الدول مسئولين مسئولية جزئية أو مسئولية تامة.

ب- تمييز رؤساء الدول الأجنبية:

وتعفي القوانين الوضعية رؤساء الدول الأجنبية ملوكاً كانوا أو رؤساء جمهوريات من أن يحاكموا على ما يرتكبونه من الجرائم في أي بلد آخر غير بلادهم، سواء دخلوه بصفة رسمية أو متنكرين، وهذا الإعفاء يشمل كل أفراد حاشية الملك أو رئيس الجمهورية. وحجة شراح القوانين في هذا الإعفاء أن إجازة محاكمة رؤساء الدول وأفراد حاشيتهم لا تتفق مع ما يجب لهم من كرم الضيافة والتوفير والاحترام. وهي حجة لا تستقيم مع المنطق؛ لأن رئيس الدولة الذي ينزل بنفسه إلى حد ارتكاب الجرائم يخرج على قواعد الضيافة، و لا يستحق شيئا من التوفير و الاحترام ،و مثل هذا يقال في أفراد الحاشية. والواقع أن الإعفاء تقليد قديم كان معمولاً به قبل أن تأخذ القوانين الوضعية بمبدأ المساواة، وظل معمولاً به حتى اليوم، وقد ساعد على بقائه اعتراف الدول به، وصيرورته جزءاً من القانون الدولي، والمعروف أن القانون الدولي لا يتطور بمثل السرعة التي تطور بها القوانين الخاصة.

ج- تمييز رجال السلك السياسي: تعفي القوانين الوضعية المفوضين السياسيين الذين يمثلون الدول الأجنبية من أن يسري عليهم قانون الدولة التي يعملون فيها، ويشمل الإعفاء حاشيتهم وأعضاء أسرهم. وحجة شراح القوانين في هذا الإعفاء أن الممثلين السياسيين يمثلون دولهم أمام الدولة التي يعملون في أرضها، وليس لدولة على أخرى حق العقاب، وأن الإعفاء ضروري لتمكينهم من أداء وظائفهم، وحتى لا تتعطل لتعريضهم للقبض والتفتيش والمحاكمة. ويمكن الرد على هاتين الحجتين بأن الممثل السياسي ليس إلا فرداً من رعايا دولة أجنبية، وأن للدولة حق العقاب على رعايا الدول الأجنبية إذا ارتكبوا جريمة في أرضها، ولا يمكن أن يعطل سريان القانون على الممثل السياسي أعمال هذا الممثل ما دام يحترم القانون ويطيعه ولا يعرض نفسه للوقوع تحت طائلته.

د- تمييز أعضاء الهيئة التشريعية:

وتعفى القوانين الوضعية ممثلي الشعب في البلاد النيابية من العقاب على ما يصدر منهم من الأقوال أثناء تأدية وظائفهم، وقد أخذ الدستور المصري بهذا الاتجاه، فمنع من مؤاخذة أعضاء البرلمان على ما يبدونه من الأفكار والآراء في المجلسين، أي أنه أعفاهم من مسئولية عن الجرائم القولية الشفوية أو الكتابية التي تلقى أو تكتب في دار المجلسين، والمقصود من هذا الإعفاء إعطاء أعضاء البرلمان قدراً من الحرية يساعدهم على أداء وظائفهم حق الأداء، إلا أن الإعفاء بالرغم من هذا اعتداء صارخ على مبدأ المساواة؛ لأن هناك مجالس نيابية أخرى هي مجالس المديريات ليس لأعضائها أن يتمتعوا بمثل الحصانة التي يتمتع بها أعضاء البرلمان، ولأن هناك من الوطنيين من يشتغل بالمسائل العامة وله فيها تأثير أكثر مما لأي عضو من أعضاء البرلمان، وبالرغم من ذلك فهم محرومون من مثل حصانة أعضاء البرلمان.

هـ- تمييز الأغنياء:

وتميز القوانين الوضعية الأغنياء على الفقراء في كثير من الحالات، ومن الأمثلة على ذلك في القانون المصري أن قانون تحقيق الجنايات يوجب على القاضي أن يحكم بالحبس في كثير من الجرائم، على أن يقدر للمحكوم عليه كفالة مالية إذا دفعها أجل تنفيذ الحكم عليه حتى يفصل في الاستئناف وإن لم يدفعها حبس دون انتظار لنتيجة الاستئناف وفي هذا خروج ظاهر على مبادئ المساواة، إذ يستطيع الغني دائماً أن يدفع الكفالة فلا ينفذ عليه الحكم، بينما يعجز الفقير عن دفعها في أغلب الأحوال فينفذ عليه الحكم في الحال.

ويجيز قانون تحقيق الجنايات المصري للمتهم المحبوس أن يعترض على حبسه فينظر اعتراضه أمام القاضي، وللأخير أن يفرج عن المتهم بضمان مالي وفي تقرير مبدأ الضمان المالي خروج ظاهر على مبدأ المساواة؛ لأن الغني يستطيع دائماً أن يدفع الضمان المالي فيخرج من حبسه، أما الفقير فهو في أغلب الأحوال عاجز عن دفع الضمان، فيظل رهين محبسه، وقد تقضي المحكمة ببراءته مما نسب إليه، فتكون النتيجة أنه حبس لا لأنه أجرم بل لأنه عجز عن دفع الكفالة، أو بتعبير آخر: لأنه فقير.

 بين القانون والشريعة:

هذه هي نظرية المساواة كما تطلع علينا بها القوانين الوضعية الحديثة؛ لا يزال مهيضة الجناح، مقصوصة الأطراف، لم تسو بين الرؤساء والمرءوسين، والحاكمين والمحكومين، ولم تسو بين الفرد والفرد، ولا بين الجماعة والجماعة، ولا بين الغني والفقير.

وقد يدهش بعض الذين لا يعلمون أن يعلموا أن نظرية المساواة التي لم يتم نضجها وتكوينها في القانون الوضعي الحديث قد نضجت تمام النضج وتكوين تمام التكوين ووصلت إلى أقصى مداها الشريعة الإسلامية، ولا تمتاز الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية بهذا فقط، بل تمتاز عليها أيضاً بأنها عرفت نظرية المساواة على هذا الوجه من أربعة عشر قرناً، بينما لم تبدأ القوانين الوضعية بمعرفتها إلا في آخر القرن الثامن عشر.

ويستطيع المفكرون المثاليون طلاب المساواة التامة أن يرجعوا إلى الشريعة الإسلامية، فإن المساواة التامة التي يبحثون عنها قائمة في الشريعة، يحوطها من جمال التكوين، وجلال التقنين، وعدالة التشريع، ما يبهر أبصارهم ويحير ألبابهم، ولكنه دون شك يحقق أحلامهم ويشبع أطماعهم.

 نظرية المساواة في الشريعة:

جاءت الشريعة من يوم نزولها بنظرية المساواة التامة، فقررت المساواة على إطلاقها، فلا قيود ولا استثناءات، وإنما مساواة تامة بين الأفراد، ومساواة بين الجماعات، ومساواة تامة بين الأجناس، ومساواة تامة بين الحاكمين والمحكومين، ومساواة تامة بين الرؤساء والمرءوسين، لا فضل لرجل على رجل، ولا لأبيض على أسود، ولا لعربي على أعجمي. وذلك قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [الحجرات: 13]، وذلك ما أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ((الناس سواسية كأسنان المشط الواحد، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى))، وفي قوله: ((إن الله قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرهم بآبائهم، لأن الناس من آدم، وآدم من تراب، وأكرمهم عند الله أتقاهم)).

فالناس جميعاً في الشريعة متساوون على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، متساوون في الحقوق، متساوون في الواجبات، متساوون في المسؤليات، وهم في ذلك كأسنان المشط الواحد لا تزيد سن عن سن، ولا تنقص سن عن سن، أو هم في ذلك كأبناء الرجل الواحد والمرأة الواحدة، ترشحهم وحدة أصلهم إلى المساواة في حقوقهم وواجباتهم ومسؤلياتهم، لا فضل لرجل على رجل كما يفضل اليوم أبناء إنجلترا وفرنسا على أبناء المستعمرات التابعة لهاتين الدولتين، ولا فضل لأبيض على أسود كما يفضل اليوم الأمريكي الأبيض على الأمريكي الأسود، ولا فضل لعربي على عجمي، أي لا فضل لجنس على جنس كما ادعت ألمانيا وغيرها من دول أوروبا أفضليتها على بقية الأجناس.

والتقوى هي وحدها نصاب التفاضل بين الناس في الشريعة الإسلامية، ولكنه تفاضل في حدود معينة، تفاضل بين الناس عند ربهم فقط، فأكرمهم عند الله أتقاهم، وكون التقي كريماً على الله لا يعطيه حقاً عند الناس يزيد على ما لغيره من الحقوق، فالتقوى صفة تؤثر في صلة الإنسان بربه أكثر مما تؤثر في صلة الإنسان بغيره، والتفاضل الذي ينشأ عن التقوى هو تفاضل معنوي لا مادي.

وتطبق الشريعة مبدأ المساواة إلى أوسع مدى يتصوره العقل البشري، ولهذا لا تفرق نصوصها بين الرؤساء والمرءوسين، ولا بين الملوك والسوقة، ولا بين ممثلي الدول السياسيين والرعايا العاديين، ولا بين ممثلي الشعب وأفراده، ولا بين الأغنياء والفقراء، ولا بين الظاهرين والخاملين، وسنبين فيما يلي حكم هذه الحالات التي جعلناها أمثلة على انعدام المساواة في القوانين.

المساواة بين رؤساء الدول والرعايا:

تسوي الشريعة بين رؤساء الدول والرعايا في سريان القانون، ومسئولية الجميع عن جرائمهم، ومن أجل ذلك كان رؤساء الدول في الشريعة أشخاصاً لا قداسة لهم، ولا يمتازون عن غيرهم، وإذا ارتكب أحدهم جريمة عوقب عليها كما يعاقب أي فرد.

ولقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم وهو نبي ورئيس دولة لا يدعي لنفسه قداسة ولا امتيازاً، وكان يقول دائماً: {إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ} [الكهف: 110]، و{هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً} [الإسراء: 93]، وكان قدوة لخلفائه وللمسلمين في توكيد معاني المساواة بين الرؤساء والمرءوسين. دخل عليه أعرابي فأخذته هيبة الرسول، فقال له صلى الله عليه وسلم: ((هوَّن عليك، فإنما أنا ابن امرأة كانت تأكل القديد))، وتقاضاه غريم له دَيْناً فأغلظ عليه، فهم به عمر بن الخطاب، فقال الرسول: ((مه يا عمر، كنتُ أحوج إلى أن تأمرني بالوفاء، وكان أحوج إلى أن تأمره بالصبر))وخرج أثناء مرضه الأخير بين الفضل ابن عباس وعلي حتى جلس على المنبر، ثم قال: ((أيها الناس من كنت جلدتُ له ظهراً فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضاً فهذا عرضي فليستقد منه، ومن أخذت له مالاً فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخش الشحناء من قِبَلي فإنها ليست من شأني، ألا وإن أحبكم إليَّ من أخذ مني حقاً إن كان له، أو حللني فلقيت ربي وأنا طيب النفس)). ثم نزل فصلى الظهر، ثم رجع إلى المنبر فعاد لمقالته الأولى.

وجاء خلفاء الرسول من بعده فنسجوا على منواله، واهتدوا بهديه، فهذا أبو بكر رضي الله عنه يصعد المنبر بعد أن بويع بالخلافة، فتكون أول كلمة يقولها توكيداً لمعنى المساواة، ونفياً لمعنى الامتياز، قال: أيها الناس، قد وُليت عليكم ولست بخيركم، إن أحسنتُ فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. ثم يعلن في آخر كلمته أن من حق الشعب الذي اختاره أن يعزله، فيقول: أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم

وهذا عمر بن الخطاب يولى الخلافة فيكون أكثر تمسكاً بهذه المعاني، حتى إنه ليرى قتل الخليفة الظالم. خطب يوماً فقال: لوددت أني وإياكم في سفينة في لجة البحر تذهب بنا شرقاً وغرباً، فلن يعجز الناس أن يولوا رجلاً منهم، فإن استقام اتبعوه، وإن جَنِفَ قتلوه. فقال طلحة: وما عليك لو قلتَ وإن تعوج عزلوه، قال: لا، القتل أنكل لمن بعده

وأعطى أبو بكر القَوَد من نفسه، وأقاد للرعية من الولاة. وفعل عمر بن الخطاب مثل ذلك، وتشدد فيه، فأعطى القود من نفسه أكثر من مرة ولما قيل له في ذلك قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي ال قود من نفسه، وأبا بكر يعطي القود من نفسه، وأنا أعطي القود من نفسي

ومن تشدد عمر في هذا الباب أنه ضرب رجلاً، فقال له الرجل: إنما كنتُ أحد رجلين: رجل جهل فعُلَّم، أو أخطأ فعُفي عنه. فقال له عمر: صدقت، دونك فامتثِل؛ أي اقتص

وأخذ عمر الولاة بما أخذ به نفسه، فما ظلم وال رعيته إلا أقاد من الوالي للمظلوم، وأعلن على رءوس الأشهاد مبدأه في موسم الحج، حيث طلب ولاة الأمصار أن يوافوه في الموسم، فلما اجتمعوا خطبهم وخطب الناس قال: أيها الناس، إني ما أرسل إليكم عمالاً ليضربوا أبشاركم، ولا ليأخذوا أموالكم، وإنما أرسلهم إليكم ليعلموكم دينكم وسنة نبيكم، فمن فُعل به شئ سوى ذلك فليرفعه إلي فوالذي نفس عمر بيده لأقصنَّه منه. فوثب عمرو بن العاص فقال: يا أمير المؤمنين، أرأيتك إن كان رجل من المسلمين على رعيته فأدب بعض رعيته إنك لتقصنه منه؟ فقال: أي والذي نفس عمر بيده، إذن لأقصنه منه، وكيف لا أقصه وقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقص من نفسه

وقد جرى العمل في الشريعة على محاكمة الخلفاء والملوك والولاة أمام القضاء العادي، وبالطريق العادي، فهذا هو علي بن أبي طالب في خلافته يفقد درعاً له ويجدها مع يهودي يدعي ملكيتها، فيرفع أمره إلى القاضي، فيحكم لصالح اليهودي ضد علي. وهذا هو المغيرة والي الكوفة يُتهم بالزنا، فيحاكم على الجريمة المنسوبة إليه بالطريق العادي. ويقص علينا التاريخ أن المأمون وهو خليفة المسلمين اختصم مع رجل بين يدي يحيى بن أكثم قاضي بغداد، فدخل المأمون إلى مجلس يحيى وخلفه خادم يحمل طِنْفِسةً لجلوس الخليفة، فرفض يحيى أن يميز الخليفة على أحد أفراد رعيته، وقال: يا أمير المؤمنين، لا تأخذ على صاحبك شرف المجلس دونه، فاستحيا المأمون ودعا للرجل بطنفسة أخرى. وبعض الخصومات التي كانت تثور بين الخليفة والولاة وبين الأفراد كانت تفض بطريق شرعي بحت ((هو التحكيم))، كما فعل عمر ابن الخطاب، فقد أخذ فرساً من رجل على سَوْم فحمل عليه فعَطِبَ، فخاصم الرجل عمر، فقال عمر: اجعل بيني وبينك رجلاً، فقال الرجل: إني أرضى بشريح العراقي، فقال شريح لعمر: أخذته صحيحاً سليماً فأنت له ضامن حتى ترده صحيحاً سليماً، وكان هذا الحكم الذي صدر ضد عمر هو الذي حَفَزَ عمر لتعيين شريح قاضياً.

وفقهاء الشريعة الإسلامية وإن كانو يشترطون في الإمام –أي رئيس الدولة الإسلامية- شروطاً لا تتوفر في كل شخص، إلا أنهم يسوونه بجمهور الناس أمام الشريعة، ولا يميزونه عنهم في شئ. وهذا متفق عليه فيما يختص بالولاة والحكام والسلاطين والملوك الذين يخضعون للخليفة أو يستمدون سلطتهم منه، إلا أنهم اختلفوا في الإمام الذي ليس فوقه إمام، ولهم في سريان نصوص الشريعة عليه نظريتان:

النظرية الأولى: وهي نظرية أبي حنيفة، ويرى أن كل شئ فعله الإمام الذي ليس فوقه إمام مما يجب به الحد كالزنا والشرب والقذف لا يؤاخذ به إلا القصاص والمال، فإنه إذا قتل إنساناً أو أتلف مال إنسان يؤاخذ به؛ لأن الحد حق الله تعالى، وهو المكلف بإقامته ومن المتعذر أن يقيم الحد على نفسه؛ لأن إقامته بطريق الخزي والنكال ولا يفعل ذلك أحد بنفسه، ولا ولاية لأحد عليه ليستوفيه؛ ولأن فائدة الإيجاب الاستيفاء، فإذا تعذر لم يجب، بخلاف حقوق العباد كالقصاص وضمان المتلفات؛ لأن حق استيفائها لمن له الحق فيكون الإمام فيه كغيره، وإن احتاج إلى المنَعَة فالمسلمون منعته فيقدر بهم على الاستيفاء، فكان الوجوب مفيدا(

وخلاصة ما سبق أن الجرائم التي تمس حقوق الجماعة لا يعاقب عليها الإمام الذي ليس فوقه إمام؛ لا لأنه معفي من العقاب، ولكن لتعذر إقامة العقوبة عليه، إذ أنه صاحب الولاية على غيره، وليس لغيره ولاية عليه حتى يقيم عليه العقوبة، ولأن ولاية العقاب في الجرائم التي تمس حقوق الجماعة للإمام وليست للأفراد، وإذا كانت الشريعة توجب العقاب على هذه الجرائم، إلا أن ولاية الإمام على حق العقاب في هذه الجرائم تمنع من العقاب على الجرائم التي يرتكبها الإمام، حيث لا يعقل أن يعرض الإمام نفسه للخزي والنكال بإقامة الحد على نفسه، وإذا امتنع تنفيذ العقوبة فقد امتنع الواجب وهو العقاب، وإذا امتنع الواجب لم يعد واجباً.

فالفعل المحرم في رأي أبي حنيفة يظل محرماً ويعتبر جريمة، ولكن لا يعاقب عليه لعدم إمكان العقاب. ويترتب على هذا أن الإمام لو زنا وهو محصن فقتله أي فرد من الأفراد فإن القاتل لا يعاقب على القتل؛ لأنه قتل شخصاً مباح الدم([14])، إذ الزنا من محصن عقوبته الموت، ولما كانت عقوبة الزنا من الحدود، والحدود لا يجوز تأخيرها ولا العفو عنها، فإن قتل الزاني المحصن يعتبر واجباً لا بد منه إزالة للمنكر، وتنفيذاً لحدود الله، فمن يقتل الزاني المحصن فإنه يؤدي واجباً عليه، ومن ثم فلا يمكن اعتباره قاتلاً.

أما الجرائم التي تمس حق الأفراد كاقتل والجرح، فيرى أبو حنيفة أن الإمام الذي ليس فوقه إمام يؤخذ بها ويعاقب عليها؛ لأن حق استيفائها ليس له أصلاً، وإنما هو للمجني عليهم وأوليائهم، وإذا قام الإمام باستيفاء العقوبة في هذه الجرائم فإنما يقوم به نيابة عن الأفراد، ولمنع الحيف والإضرار بالغير.

فإذا ارتكب الإمام جريمة من هذا النوع كان للأفراد أصحاب الحق الأصلي في استيفاء العقوبة أن يستوفوا العقوبة من الإمام مستعينين في ذلك بالقضاء وبالجماعة، وإذا ما استوفي الأفراد العقوبة الواجبة عن غير طريق القضاء فلا حرج عليهم؛ لأنهم فعلوا ما هو حقهم

وإذا ولى الإمام نائباً عنه أو قاضياً للحكم في كل الجرائم، كان من حق النائب أو القاضي أن يأخذ الإمام الذي ليس فوقه إمام بكل جريمة سواء مست حقاً لله أو حقاً للأفراد وعلى هذا لو ترك للمحاكم تطبيق الشريعة أخذاً بنظام فصل السلطات، كان للمحاكم أن تحكم على الإمام الذي ليس فوقه إمام بعقوبة أية جريمة يرتكبها.

ويؤخذ على نظرية أبي حنيفة أنها تقوم على أساس ضعيف؛ لأن الإمام ليس إلا نائباً عن الجماعة، ولأن الخطاب في التشريع الإسلامي موجه للجماعة وليس للإمام، وإنما أقامت الجماعة الإمام ليقيم أحكام الشريعة، ويرعى صالح الجماعة، فإذا ارتكب أحد الأفراد جريمة كان للإمام أن يعاقبه بما له من حق القيام على تنفيذ نصوص الشريعة نيابة عن الجماعة، وإذا ارتكب الإمام نفسه جريمة عاد للجماعة حقها، وعاقبت الإمام حيث لا يصلح للنيابة عنها في هذه الحالة.

النظرية الثانية: وهي نظرية مالك والشافعي وأحمد، وهؤلاء لا يفرقون بين جريمة وجريمة، ويرون الإمام مسئولاً عن كل جريمة ارتكبها سواء تعلقت بحق الله أو بحق الفرد؛ لأن النصوص عامة والجرائم محرمة على الكافة بما فيهم الإمام، معاقب عليها ممن ارتكبها ولو كان الإمام، ولا ينظر هؤلاء الأئمة إلى إمكان تنفيذ العقوبة كما ينظر الحنفية؛ لأن تنفيذ العقوبات ليس للإمام وحده، وإنما له ولنوابه، فإذا ارتكب جريمة وحكم عليه بعقوبتها نفذ العقوبة على الإمام أحد من ينوبون عنه ممن لهم تنفيذ هذه العقوبة

ولم يكتف الفقهاء بتقرير عقوبة رئيس الدولة الأعلى على ما يرتكبه من جرائم، بل بحثوا فيما كان ينعزل بارتكابه الجرائم، فرأى البعض أن الإمام ينعزل بارتكابه المحظورات، وإقدامه على المنكرات، تحكيماً للشهوة وانقياداً للهوى؛ لأن عمله هذا فسق يمنع من انعقاد الإمامة، ويمنع من استدامتها

رؤساء الدول الأجنبية:

وإذا كانت الشريعة لا تميز رئيس الدولة الإسلامية الأعلى فهي من باب أولى لا تميز رئيس دولة أجنبية، وإذن فالشريعة تسري على رؤساء الدول الأجنبية وعلى رجال حاشيتهم أثناء وجودهم في دار الإسلام، فإذا ارتكبوا أية جريمة عوقبوا عليها. وإذا كان أبو حنيفة يرى عدم إمكان عقاب الإمام على الجرائم التي تمس حقوق الجماعة، فإن هذا الرأي لا يفيد رؤساء الدول الأجنبية شيئاً؛ لأن أساس هذا الرأي أن الإمام لا يمكن أن ينفذ العقوبة على نفسه، والعقوبة هنا لا تقع عليه وإنما تقع على غيره.

على أن رؤساء الدول في دار الحرب وحاشيتهم يمكن أن يستفيدوا من نظرية أبي حنيفة في تطبيق الشريعة على المستأمن، ورؤساء الدول في دار الحرب وحاشيتهم ليسوا إلا مستأمنين، وطبقاً لهذه النظرية لا يعاقب المستأمن إلا على الجرائم التي تمس حتى الأفراد، أما الجرائم التي تمس حق الجماعة فلا يعاقب عنها. وقد علمنا أن أبا يوسف يخالف أبا حنيفة في هذا، ويرى كما يرى باقي الأئمة عقاب المستأمن على كل الجرائم التي يرتكبها في دار الإسلام

 رجال السلك السياسي:

تسري الشريعة على رجال السلك السياسي فيما يرتكبون من جرائم في دار الإسلام، سواء تعلقت الجرائم بحقوق الجماعة أو بحقوق الأفراد، وليس في قواعد الشريعة ما يسمح بإعفائهم من تطبيق الشريعة عليهم، إلا إذا أخذنا بنظرية أبي حنيفة في المستأمن ، وهي تقضي بسريان الشريعة على المستأمن إذا ارتكب جريمة تمس حق الأفراد، فإذا ارتكب جريمة تمس حق الجماعة فلا تسري عليه الشريعة.

ويلاحظ أن رجال السلك السياسي الذين يمكن اعتبارهم مستأمنين هم الذين ينتمون لدولة محاربة ويمثلونها وليسوا مسلمين، أما المسلمون الذين يمثلون دولة محاربة أو دولة إسلامية فهؤلاء لا يعتبرون مستأمنين بحال، وحكمهم حكم أي مسلم يقيم في دار الإسلام.

وليس في أخذ رجال السلك السياسي بجرائمهم ما يعيب الشريعة، ما دامت الشريعة تسوي بينهم وبين غيرهم من رعايا الدولة، وتجعل حكمهم حكم رئيس الدولة، ولكن العيب في التفرقة التي تأخذ بها القوانبن الوضعية بحجة حمايتهم وتمكينهم من أداء وظائفهم؛ لأن الممثل السياسي الذي يرتكب الجرائم لا يستحق الحماية، ولا يصلح لأداء وظيفته، ولأنه لا يحمي الممثل شئ مثل ابتعاده عن الشبهات والمحرمات، وإذا خيف من اتخاذ الاتهام ذريعة للضغط على الممثل فهو خوف في غير محله؛ لأن هناك من وسائل الضغط ما هو أسهل وأسرع وأجدى من الاتهام، فمنع محاكمة الممثل السياسي لا يمنع من الضغط عليه والتأثير فيه، والحجج التي يبررون بها منع المحاكمة لا تبرر المنع بحال من الأحوال.

أواصل الموضوع تدوينة قادمة ان شاء الله

هذا المنشور نشر في كتب, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s