مخالفة وتوافق القوانين الوضعية مع الشريعة الإسلامية ومبادئها -1 (قراءه فى موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام )

9395 

مع مواصلتنا القراءه فى كتاب موسوعة التشريع الجنائى فى الإسلام للشهيد عبد القادر عودة فهذا الجزء الهام من الموسوعة يتعرض للشريعة ومدى موافقة القوانيين الوضعية للشريعة وأهمية هذه الموافقة ونظرية بطلان ما يخالف الشريعة وما احسبه يتردد بقوة الآن على الساحة المصرية  والأهم أن الشهيد عبد القادر عودة يوضح معنى أن تتوافق القوانيين الوضعية مع مبادىء الشريعة وروحها والفارق بين مخالفة القوانيين للشريعة :

يقول الشهيد عبد القادر عوده :

إذا جاءت القوانين واللوائح متفقة مع نصوص القرآن والسنة، أو متمشية مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، وجبت الطاعة لها، وحقت العقوبة على من خالفها. أما إذا جاءت القوانين واللوائح خارجة على نصوص القرآن والسنة، أو خارجة على مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، فهي قوانين ولوائح باطلة بطلاناً مطلقاً، وليس لأحد أن يطيعها، بل على كل مسلم أن يحاربها. وسنبين فيما يلي أسباب هذا البطلان بعد أن نتكلم عن نظرية البطلان ذاتها.

أساس نظرية البطلان في الشريعة الإسلامية هو أن الأوامر والنواهي لم تجئ عبثاً، وأن الله أنزل كتابه وأرسل رسوله للناس؛ ليطيعوه ويعملوا بما جاء به، فمن عمل بما جاء به الرسول فعمله صحيح؛ لأنه وافق أمر الشارع، ومن خالف فقد بطل عمله؛ لمخالفته أمر الشارع، والله تعالى يقول: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ} [النساء: 64]، ويقول: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا} [الحشر: 7]، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ} [النساء: 59].

إن التشريعات الوضعية على اختلاف أسمائها تكون باطلة بطلاناً مطلقاً كلما جاءت مخالفة لنصوص الشريعة الإسلامية، أو خارجة عن مبادئها العامة، أو مباينة لروح التشريع الإسلامي. وأساس هذا البطلان كونها مخالفة للشريعة طبقاً لرأي جمهور الفقهاء، وأساسه –طبقاً لرأي أبي حنيفة وأصحابه- أن القوانين واللوائح والأوامر بما يمس صالح الجماعة ونظامها العام، أو يمس حقوق اللهطبقاً لتعبيرهم، وكل ما يتصل بصالح الجماعة ونظامها باطل بطلاناً مطلقاً إذا جاء مخالفاً للشريعة الإسلامية، فأساس البطلان إذن بإجماع الفقهاء هو مخالفة القوانينواللوائح والقرارات والأوامرلنصوص الشريعة أو مبادئها العامة أو روحها التشريعية

 

فقد جاءت نصوص القرآن والسنة صريحة في إبطال كل ما يخالف الشريعة، ومن ثم انعقد الإجماع على احترام هذه النصوص الصريحة وإبطال كل ما يخالفها، وسنقدم فيما يلي الأدلة على ذلك:

سأعرض بعض الأدلة التى ساقها الشهيد عبد القادر عودة خوفا من الإطالة وهذه بعض هذه الأدلة :

1- إن الله أمر باتباع الشريعة ونهى عن اتباع ما يخالفها: فلم يجعل لمسلم أن يتخذ من غير شريعة الله قانوناً، وجعل كل ما يخرج على نصوص الشريعة، أة مبادئها العامة، أو روحها التشريعية، محرماً تحريماً قاطعاً على المسلمين بنص القرآن الصريح، حيث قسم الله الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما: إما الاستجابة لله واللرسول واتباع ما جاء به الرسول، وإما اتباع الهوى، فكل ما لم يأت به الرسول فهو من الهوى بنص القرآن، وذلك قوله تعالى: { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [القصص: 50].

كذلك قسم الله طريق الحكم بين الناس إلى طريقين لا ثالث لهما: أولهما: الحق، وهو الوحي الذي أنزل على رسله، وثانيهما: الهوى، وهو كل ما خالف الوحي، فقال جل شأنه: {يَا دَاوُودُ إِنَّا

جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} [ص: 26].

وقال تعالى موجهاً الخطاب إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: {ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ {45/18} إِنَّهُمْ لَن يُغْنُوا عَنكَ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ} [الجاثية: 18، 19].

2- إن الله لم يجعل لمؤمن أن يرضى بغير حكم الله، أو يتحاكم إلى غير ما أنزل الله: بل لقد أمر الله أن يكفر بكل حكم غير حكمه، واعتبر الرضا بغير حكمه ضلالاً بعيداً، واتباعاً للشيطان، وذلك قوله تعالى: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا} [النساء: 60].

فمن يتحاكم إلى غير ما أنزل الله وما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه. والطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لايعلمون أنه طاعة الله، فمن آمن بالله ليس له أن يؤمن بغيره، ولا أن يقبل حكماً غير حكمه([

3- إن الله لم يجعل لمؤمن ولا مؤمنة أن يختار لنفسه أو يرضى لها غير ما اختاره الله ورسوله: ومن تخير غير ذلك فهو ضال لم يعرف الإيمان لقلبه سبيلاً، وذلك قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الاحزاب: 36]، فإذا أمر الله باتباع ما أنزل على رسوله ونهى عن اتباع غيره، فليس لمؤمن أن يرضى بغير ما أنزل الله، فإن رضيه واختاره لنفسه فهو غير مؤمن

إن أولي الأمر بحسب نصوص الشريعة الإسلامية ليس لهم حق التشريع المطلق للأسباب التي بيناها: وإن حقهم في التشريع قاصر على نوعين من التشريع: الأول: تشريعات تنفيذية يقصد بها ضمان تنفيذ نصوص الشريعة الإسلامية. والثاني: تشريعات تنظيمية لتنظيم الجماعة وحمايتها وسد حاجاتها على أساس مبادئ الشريعة العامة. وهذه التشريعات لا تكون إلا فيما سكتت عنه الشريعة فلم تأت بنصوص خاصة فيه ولا يمكن أن تكون فيما نصت عليه الشريعة، ويشترط في هذه التشريعات قبل كل شئ أن تكون متفقة مع مبادئ الشريعة العامة وروحها التشريعية، فهي تشريعات توضع بقصد تنفيذ مبادئ الشريعة العامة، وإذن فهي في حقيقتها نوع آخر من التشريعات التنفيذية

إن الشريعة الإسلامية هي الدستور الأساسي للمسلمين: كما تبين مما سبق، فكل ما يوافق هذا الدستور فهو صحيح، وكل ما يخالف هذا الدستور فهو باطل، مهما تغيرت الأزمان وتطورت الآراء في التشريع؛ لأن الشريعة جاءت من عند الله على لسان رسوله ليعمل بها في كل زمان وكل مكان، فتطبيقها ليس محدوداً بزمن، ولا مقصوراً على أشخاص ولا أجيال أو أجناس، وهي واجبة التطبيق حتى تلغى أو تنسخ، ولا يمكن أن تلغى أو تنسخ؛ لأن القاعدة الأساسية في الشريعة الإسلامية بل وفي القوانين الوضعية الحديثة أن النصوص لا ينسخها إلا نصوص في مثل قوتها أو أقوى منها، أي نصوص صادرة من نفس الشارع أو من هيئة لها سلطان التشريع مثل ما للهيئة التي أصدرت النصوص المراد نسخها، أو من هيئة يزيد سلطانها التشريعي على سلطان من أصدر النصوص المطلوب نسخها، فالنصوص الناسخة إذن يجب أن تكون قرآناً أو سنة حتى يمكن أن تنسخ ما لدينا من قرآن وسنة، وليس بعد الرسول قرآن حيث أنقطع الوحي، ولا سنة حيث توفى الرسول، ولا يمكن أن يقال إن ما يصدر عن هيئاتنا التشريعية البشرية في درجة القرآن والسنة

أو أن لها من سلطان التشريع ما لله وللرسول، ولكن الذي يمكن أن يقول وهو الواقع إن أولي الأمر منا لا يملكون حتى التشريع، وإنما لهم حق التنفيذ أو التنظيم، فالتشريع من حق الله والرسول، وقد انتهى عهده بوفاة الرسول، واستقر أمره بانقطاع الوحي، والتنفيذ والتنظيم لأولي الأمر، فلهم أن يصدروا قوانين ولوائح وأوامر تنفيذاً لما شرعه اللهورسوله، ولهم أن ينظموا الجماعة ويوجهوها طبقاً لما شرعه الله ورسوله، فالله قد تكفل بوضع التشريعات الأصلية وشرع على لسان رسوله نصوصاً وأحكاماً أساسية، وأوجب على أولي الأمر تنفيذها كما هي، كما أوجب عليهم أن ينظموا الجماعة ويوجهوها على أساسها، ولهم في سبيل أداء هذا الواجب أن يصدروا القوانين والمراسيم واللوائح والقرارات التي تضمن تنفيذ هذه التشريعات الأساسية، وإقامة الجماعة على أساسها، ولكن ليس لهم بأي حال أن يعطلوا التشريعات الأساسية أو يلغوها؛ لأن ذلك خارج عن سلطانهم ولا يتسع له مقدورهم.

وإذا أردنا أن نأتي بتشبيه يقرب هذا المعنى إلى أذهاننا، قلنا: إن التشريعة تعتبر بمثابة القوانين الوضعية، وإن ما تصدره الهيئات التشريعية يعتبر بمثابة اللوائح والقرارات التي تصدر لضمان تنفيذ هذه القوانين، أو قلنا: إن الشريعة تعتبر بمثابة الدستور الوضعي، وإن ما تصدره الهيئات التشريعية يعتبر بمثابة القوانين الوضعية التي يشترط فيها أن تكون موافقة لنصوص الدستور وغير خارجة عليه وإلا كانت باطلة.

ونخلص من هذا كله بأن القوانين واللوائح والقرارات أدنى مرتبة من القرآن والسنة، ولا يمكن أن يتغلب القانون الأدنى على القانون الأعلى درجة.

إن ما يخالف الشريعة من قانون أو لائحة أو قرار باطل بطلاناً مطلقاً، لكن هذا البطلان لا ينصب على كل نصوص القانون أو اللائحة أو القرار، إنما ينصب فقط على النصوص المخالفة للشريعة دون غيرها؛ لأن أساس البطلان هو مخالفة الشريعة، فلا يمتد البطلان منطقياً لما يوافق الشريعة من النصوص، ولو أنها أدمجت في فانون واحد أو لائحة واحدة أو قرار واحد مع غيرها من النصوص المخالفة للشريعة. وتعتبر النصوص الموافقة للشريعة صحيحة ما دامت قد صدرت من هيئة تشريعية مختصة، واستوفت الإجراءات الشكلية المقررة.

وإذا كان البطلان قاصراً على النصوص المخالفة للشريعة فإن هذه النصوص لا تعتبر باطلة في كل حالة، وإنما هي باطلة فقط في الحالات التي تخالف فيها الشريعة، صحيحة في الحالات التي تتفق فيها مع الشريعة، وليس هذا بمستغرب ما دام أساس الصحة والبطلان راجع إلى موافقة الشريعة أو مخالفتها، إذ العلة تدور مع المعلول وجوداً وعدماً.

ومن الأمثلة على بطلان النص الواحد في بعض الحالات وصحته في بعض الحالات الأخرى جريمة الزنا، فعقوبتها في الشريعة رجم الزاني المحصن، وجلد الزاني غير المحصن، والزنا شرعاً هو إدخال الحشفة أو مقدارها في الفرج، فما كان دون ذلك فلا حد فيه، وإنما فيه التعزير؛ فالشروع في الزنا ومقدمات الزنا من قبلة وعناق وملامسة كل ذلك لا يعاقب عليه بعقوبة الحد: وهي الرجم والجلد، والفعل التام لا يعاقبب عليه في بعض الحالات بعقوبة الحد إذا درئ الحد للشبهة، أو كان الجاني صغير السن، وعلى هذا فالجرائم التامة التي يجب فيها الحد لا يجوز أن تطبق عليها نصوص القانون؛ لأنها تخالف حكم الشريعة، وتعاقب بعقوبة غير عقوبتي الرجم والجلد اللتين توجبهما الشريعة، أما الجرائم التامة التي درئ فيها الحد، والجرائم غير التامة، فالعقوبة عليها هي عقوبة التعزير طبقاً للشريعة. والتعزير من العقوبات التي تتركها الشريعة لتصرف الهيئات التشريعية، ولما كان قانون العقوبات صادراً عن هذه الهيئات، فإن عقوباته تعتبر تعازير عن الأفعال التي لا يعاقب عليها بعقوبة الحد؛ أي بأية عقوبة مقدرة، ومن ثم تكون نصوص قانون العقوبات باطلة في كل حالة يجب فيها الحد صحيحة في كل حالة تستوجب التعزير.

والسرقة العادية عقوبتها القطع في الشريعة، وعقوبتها الحبس في القانون، ولكن حد القطع لا يجب إلا في سرقة تامة توفرت فيها شروط الحد، فإذا لم تكن السرقة تامة، أو لم تتوفر شروط الحد، فالعقوبة هي التعزير، ومن ثم تكون نصوص قانون العقوبات الخاصة بالسرقة باطلة في كل سرقة عادية تعاقب عليها الشريعة بالقطع، وصحيحة في كل سرقة تعاقب عليها الشريعة بالتعزير.

والقذف في الشريعة عقوبته الجلد ثمانين جلدة، ولكن القذف المعاقب عليه بعقوبة الحد هو الرمي بالزنا أو نفي النسب، وما عدا ذلك لا يعتبر قذفاً وإنما يعتبر سباً وعقوبته التعزير، ولما كانت الأجزية في قانون العقوبات تعازير فإن نصوص قانون العقوبات الخاصة بالقذف تعتبر باطلة في كل قذف تعاقب عليه الشريعة بعقوبة الحد، وتعتبر صحيحة في كل قذف أو سب تعاقب عليه الشريعة بعقوبة التعزير، إلا فيما يختص بالمنع من إثبات القذف فإن الشريعة لا تمنع القاذف من إثبات ما قذف به بينما القوانين تمنع ذلك

 

الصورة الملحقة بالتدوينة احدى الصور الحصرية للإمام حسن البنا رحمه الله


 

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s