لا تسحبوه شرا لكم

image

الأستاذ الدكتور : محمود حسين
الأمين العام لجماعة الإخوان المسلمين
 
بسم الله الرحمن الرحيم
سلسلة خواطر(١) – لا تحسبوه شرا لكم
المتامل في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكتاب الله عز وجل يتبين ان الله يدير شئون هذا الكون بحكمة بالغة قد تكون خافية على كثير من الناس لكنها يظهر بعضها بعد تأمل الأحداث ويعجب الإنسان وهو ينظر الى حاثة الإفك ووصف القران للحدث ” ان الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم ” فكيف يكون هذا الحدث خير للأمة وقد تناول بعضا من أسس وثوابت الرسالة وتأمل معي الحدث كالتالي:
تناول الحدث اهم شخصيات الأمة المسلمة ليس آنذاك فقط وإنما على الإطلاق فقد تناول الحدث
١- رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النبي المعصوم وبالتالي فالحدث يشكك في هذه العصمة وبالتالي فهو يشكك في اصل الرسالة وذلك باتهام زوجته التي رشحها له الوحي وبالتالي يشكك في علم الله والعياذ بالله.
٢- أبو بكر رضي الله عنه وهو افضل الأمة بعد رسول الله ورفيقه في كل تحركاته واحب الناس اليه وبالتالي فالحدث يشكك في منهج التربية الذي قام به النبي بتربية أصحابه وتوجيههم ويشكك في علم الله سبحانه وتعالى بالبشر إذ يترك اختيارات النبي دون توجيه.
٣- أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وهي احب الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم من النساء وبالتالي فالحدث ينسف قواعد هذا الحب بل ويعطي انطباعا ان معايير النبي صلى الله عليه وسلم فيها خلل والعياذ بالله وان مناخ أصحاب هذا المنهج من عفة هو وهم وانهم لا يتميزون عن غيرهم وفيهم من النقائص ما في غيرهم فضلا عن التشكيك في رعاية الله لنبيه بدليل انه تركه يتزوج عائشة رضي الله عنها دون تنبيه لما عليه أخلاقها.

نرى مما سبق ان الحدث ليس اتهاما فقط بالفاحشة وإنما معركة أرادها المنافقون بهدف إصابة الرسالة في مقتل وللاسف استجاب لها بعض المسلمين عن جهل او دون وعي او تغييب ثم نجد ان القران لا يعالج الحدث في حينه بل يرافق ذلك مرض عائشة رضي الله عنها لفترة طويلة دون ان تعلم ما يدور ويعيش النبي صلى الله عليه وسلم في قلق لا يدري ايصدق أم يكذب ويعيش أبو بكر وأسرته في غم مما أصابهم ولا يدري كيف يتصرف وامتحن هو وأسرته امتحانا صعبا لا ينجح فيه الا مثله وتعيش الأمة نفسها في قلق ويتناول بعضهم الحدث بصيغ مختلفة وتلوك السنة البعض في عرض عائشة رضي الله عنها بل يصدق بعضهم هذه الاتهامات ولا تأتي تبرئة الله عز وجل لعائشة الا بعد اكتشافها للحدث وانعدام قدرتها على رد الاتهام وانعدام قدرة الصحابي المتهم معها بل وانعدام أي دليل يمكن لاحد من الصحابة ان يسوقه اللهم الا إيمان عميق يسري بين احد الصحابة وزوجته يلخص الموقف ” لو كنت مكان عائشة لفعلت ولو كنت مكان مسطح لفعلت … ويرد بالنتيجة الوحيدة ان هذا مستحيل في حقه وزوجته وبالتالي فهو أكثر استحالة في حق عائشة ومسطح” حينئذ فقط تأتي التبرئة من السماء وكان من الممكن ان تكون التبرئة عن طريق جبريل عليه السلام ولكن يريد الله ان تكون تبرئتها تتناسب مع مكانتها في تنزل قران يتلى الى يوم القيامة وكأني استشعر رد القران على من ينهش من عرضها رضي الله عنها من بعض الغلاة ثم في هذا الموقف الذي يبدو بمقاييس البشر ان ليس فيه خير على الإطلاق يأتي قول الله عز وجل ” لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم” ليقف المؤمن متدبرا هذا الخير باحثا عنه حتى يتعلم حكمة الله عز وجل في الحدث وتعالى معا نتبين بعضا منها:
١- ان الأمة المسلمة رغم ما بها من نقاء وطهر وعفاف الا ان بها منافقون وليس كل أفرادها أنقياء وهؤلاء ليسوا بالوضوح الكافي ليتعرف عليهم الناس ويحتاج الأمر تدقيقا لا يعتمد فقط على الإمكانيات البشرية وإنما يعتمد على قواعد الايمان وعلى علم بالثوابت التي يمكن لمن أعطاه الله بصيرة ان يتبينها وان غفل عنها كثير من الناس بل وربما يستطيع بعض هؤلاء المنافقين ان يخفي أمره حتى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن كثير من المؤمنين
٢- ان هناك ثوابت لدى الأمة ينبغي الا تهتز فالنبي صلى الله عليه وسلم معصوم من الخطأ بحفظ الله له وبالتالي فان اختيارات الله عز وجل له لا يعتريها خطا وان بدا غير ذلك لاحد فليؤمن انه هو غير القادر على تبين الأمر وليس العكس وأننا بحاجة لاستحضار هذه الثوابت عند الحاجة وهو ليس بالأمر الهين الا على من يسره الله عليه ولنتذكر كيف نسي الصحابة بشرية رسول الله صلى الله عليه وسلم وان حياته ستنتهي ولم يتذكر هذا الثابت الا أبو بكر رضي الله عنهم أجمعين
٣- موقف أبو بكر وزوجه رضي الله عنهما وحرجهما من الموازنة بين الدفاع عن عرضهما واحب الأبناء لهما وبين الوقوف بجانب الرسالة وصاحبها ولو على حساب اعز ما يباهي به العربي واختارا بلا تردد الوقوف مع المبدا والحق كما هو شانه في كل حياته
٣- الحفاظ على تماسك الأمة يحتاج الى قواعد أخرى إضافة للمثل والأخلاق العامة لا تقل عنها من حسن الظن وعدم اتهام الآخرين دون أدلة وحفظ أعراض الأمة وعدم الخوض فيها وقواعد الاتهام ….الخ وان بنيان الأمة لا يقوم الا إذا توفرت هذه القواعد
٤- ضرورة الحذر لدى أبناء الأمة من ان يوقع بهم منافق أو مخادع فتكون النتيجة تفكك هذه الأمة وان يتعامل أفرادها بهذا الحذر (ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا) (وقالوا هذا إفك مبين) (سبحانك هذا بهتان عظيم) (يعظكم الله ان تعودوا لمثله أبدا ) فتكرار هذه المعاني لتحذير الأمة وتحصينها مما قد يحيط بها من شرور من داخلها قد يخفى أمرها على كثير منها
٥- ان نقاء الأمة ومثاليتها وصلاح اهلها لا يعني عدم وجود شوائب أو أنها خالية من الخلل او انه لا يوجد بداخلها من هو دون هذا المستوى ووجود هذه الشوائب لا يطعن فيها ولا يقلل من شانها وإنما دليل نقاء الأمة وصفائها هو قدرتها على التخلص من هذه الشوائب أو علاجها.
واحسب ان المتأمل في الحدث سيستخرج خيرا كثيرا آخر لكنه جهد المقل ولنا مقال آخر نتحدث عن ربط هذا الحدث بإذن الله بما يدور الآن من انقلاب على الشرعية وبوابة الأمة الآن وهذا الخير ليس على مستوى الأمة فقط بل على المستوى الفردي ايضا فقد عمق الحدث حب النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها وعمق حب الأمة لعائشة وأعطى ال أبى بكر الفضل في نزول ايات تحدد ضوابط حماية أعراض الأمة وصيانتها وتأتي منة الله فلا يتوقف مكافأة أبو بكر عند هذا الموقف بل ” ولا ياتل أولو الفضل منكم …..الا تحبون ان يغفر الله لكم ” بل ويظل المسلمون على مدار التاريخ يتعبدون الي الله بتلاوة الايات التي تخلد ذكره وذكر عائشة رضي الله عنها ويأتي معها الدرس المهم للأمة فليس كل من شارك في الحدث بالضرورة ان يكون منافقا وإنما هناك من يكون قد غرر به أو لم يكن على مستوى نضج الفهم أو الايمان ما يحتاج معها ان يرتقي بمستواه واني يراجع نفسه وإيمانه ” ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ” وتنهي الاية بنهاية متناسبة مع الحدث اذ تذكر بعلم الله وحكمته سبحانه اللا محدود ثم تذكر بفضل الله على المؤمنين “ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤوف رحيم”.
د. محمود حسين احمد
الامين العام لجماعة الاخوان المسلمين
 

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s