مفسدات القلب الخمسة وكيفية التغلب عليها

image

في كتاب مدارج السالكين لابن القيم جزء عن مفسدات القلب التي يتعرض لها السالك الطريق إلى الله وهي من وجهه نظره خمس مفسدات يتحدث عن المفسدات الخمس بشكل عام ثم كل من هذه المفسدات على حده يقول ابن القيم :
مفسدات القلب الخمسه وهي : الخلطه  والتعلق بغير الله، والشبع، والمنام، فهذه الخمسة من أكبر مفسدات القلب.
فنذكر آثارها التي اشتركت فيها، وما تميز به كل واحد منها فقال :
اعلم أن القلب يسير إلى الله عز وجل والدار الآخرة، ويكشف عن طريق الحق ونهجه، وآفات النفس والعمل، وقطاع الطريق بنوره وحياته وقوته، وصحته وعزمه، وسلامة سمعه وبصره، وغيبة الشواغل والقواطع عنه، وهذه الخمسة تطفئ نوره، وتعور عين بصيرته، وتثقل سمعه، إن لم تصمه وتبكمه وتضعف قواه كلها، وتوهن صحته وتفتر عزيمته، وتوقف همته، وتنكسه إلى ورائه، ومن لا شعور له بهذا فميت القلب، وما لجرح بميت إيلام، فهي عائقة له عن نبل كماله. قاطعة له عن الوصول إلى ما خلق له. وجعل نعيمه وسعادته وابتهاجه ولذته في الوصول إليه.
فإنه لا نعيم له ولا لذة، ولا ابتهاج، ولا كمال، إلا بمعرفة الله ومحبته، والطمأنينة بذكره، والفرح والابتهاج بقربه، والشوق إلى لقائه، فهذه جنته العاجلة، كما أنه لا نعيم له في الآخرة، ولا فوز إلا بجواره في دار النعيم في الجنة الآجلة، فله جنتان لا يدخل الثانية منهما إن لم يدخل الأولى.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.

وقال بعض العارفين: إنه ليمر بالقلب أوقات، أقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا، إنهم لفي عيش طيب.
وقال بعض المحبين: مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا: وما أطيب ما فيها؟ قال: محبة الله، والأنس به، والشوق إلى لقائه، والإقبال عليه، والإعراض عما سواه أو نحو هذا من الكلام.وكل من له قلب حي يشهد هذا ويعرفه ذوقا.
وهذه الأشياء الخمسة: قاطعة عن هذا، حائلة بين القلب وبينه، عائقة له عن سيره، ومحدثة له أمراضا وعللا إن لم يتداركها المريض خيف عليه منها.
المفسد الأول الخلطه
أما كثرة الخلطة: فامتلاء القلب من دخان أنفاس بني آدم حتى يسود، يوجب له تشتتا وتفرقا، وهما وغما، وضعفا، وحملا لما يعجز عن حمله من مؤنة قرناء السوء، وإضاعة مصالحه، والاشتغال عنها بهم وبأمورهم، وتقسم فكره في أودية مطالبهم وإراداتهم، فماذا يبقى منه لله والدار الآخرة؟ .
الخلطة المفسده للقلب فهي التي تكون على نوع مودة في الدنيا  ثم  تنقلب إذا حقت الحقائق عداوة، ويعض المخلط عليها يديه ندما….
قال تعالى {الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين}

ولكن الاختلاط بالناس أمر لابد منه فما هو الظابط في أمر الاختلاط بالناس في هذا يقول ابن القيم :
والضابط النافع في أمر الخلطة أن يخالط الناس في الخير كالجمعة والجماعة، والأعياد والحج، وتعلم العلم، والجهاد، والنصيحة ويعتزلهم في الشر، وفضول المباحات، فإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في الشر، ولم يمكنه اعتزالهم فالحذر الحذر أن يوافقهم، وليصبر على أذاهم، فإنهم لا بد أن يؤذوه إن لم يكن له قوة ولا ناصر. ولكن أذى يعقبه عز ومحبة له وتعظيم، وثناء عليه منهم ومن المؤمنين ومن رب العالمين. وموافقتهم يعقبها ذل وبغض له، ومقت، وذم منهم ومن المؤمنين، ومن رب العالمين.
فالصبر على أذاهم خير وأحسن عاقبة، وأحمد مآلا، وإن دعت الحاجة إلى خلطتهم في فضول المباحات، فليجتهد أن يقلب ذلك المجلس طاعة لله إن أمكنه، ويشجع نفسه ويقوي قلبه، ولا يلتفت إلى الوارد الشيطاني القاطع له عن ذلك، بأن هذا رياء ومحبة لإظهار علمك وحالك، ونحو ذلك، فليحاربه، وليستعن بالله، ويؤثر فيهم من الخير ما أمكنه.
فإن أعجزته المقادير عن ذلك، فليسل قلبه من بينهم كسل الشعرة من العجين، وليكن فيهم حاضرا غائبا، قريبا بعيدا، نائما يقظانا، ينظر إليهم ولا يبصرهم، ويسمع كلامهم ولا يعيه، لأنه قد أخذ قلبه من بينهم، ورقى به إلى الملأ الأعلى، يسبح حول العرش مع الأرواح العلوية الزكية، وما أصعب هذا وأشقه على النفوس، وإنه ليسير على من يسره الله عليه، فبين العبد وبينه أن يصدق الله تبارك وتعالى، ويديم اللجأ إليه، ويلقي نفسه على بابه طريحا ذليلا، ولا يعين على هذا إلا محبة صادقة، والذكر الدائم بالقلب واللسان

المفسد الثاني من مفسدات القلب ركوبه بحر التمني]

وهو بحر لا ساحل له، وهو البحر الذي يركبه مفاليس العالم، كما قيل: إن المنى رأس أموال المفاليس. وبضاعة ركابه مواعيد الشياطين، وخيالات المحال والبهتان، فلا تزال أمواج الأماني الكاذبة، والخيالات الباطلة، تتلاعب براكبه كما تتلاعب الكلاب بالجيفة، وهي بضاعة كل نفس مهينة خسيسة سفلية، ليست لها همة تنال بها الحقائق الخارجية، بل اعتاضت عنها بالأماني الذهبية، وكل بحسب حاله من متمن للقدرة والسلطان، وللضرب في الأرض والتطواف في البلدان، أو للأموال والأثمان، أو للنسوان  فيمثل المتمني صورة مطلوبه في نفسه وقد فاز بوصولها، والتذ بالظفر بها، فبينا هو على هذه الحال إذ استيقظ فإذا يده والحصير.
وصاحب الهمة العلية أمانيه حائمة حول العلم والإيمان، والعمل الذي يقربه إلى الله، ويدنيه من جواره.
فأماني هذا إيمان ونور وحكمة، وأماني أولئك خدع وغرور.

المفسد  الثالث من مفسدات القلب التعلق بغير الله تبارك تعالى]

وهذا أعظم مفسداته على الإطلاق.
فليس عليه أضر من ذلك، ولا أقطع له عن مصالحه وسعادته منه، فإنه إذا تعلق بغير الله وكله الله إلى ما تعلق به، وخذله من جهة ما تعلق به، وفاته تحصيل مقصوده من الله عز وجل بتعلقه بغيره والتفاته إلى سواه، فلا على نصيبه من الله حصل، ولا إلى ما أمله ممن تعلق به وصل، فأعظم الناس خذلانا من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات. ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت، وأوهن البيوت.

أما المفسد الرابع من مفسدات القلب فهو الطعام والمفسد له من ذلك نوعان: أحدهما ما يفسده لعينه وذاته كالمحرمات، والثاني: ما يفسده بقدره وتعدي حده، كالإسراف في الحلال، والشبع المفرط، فإنه يثقله عن الطاعات، ويشغله بمزاولة مؤنة البطنة ومحاولتها، حتى يظفر بها، فإذا ظفر بها شغله بمزاولة تصرفها ووقاية ضررها، والتأذي بثقلها، وقوى عليه مواد الشهوة، وطرق مجاري الشيطان ووسعها،
كثرة النوم فتورث الكثير من الآفات، كما أن مدافعته وهجره مورث لآفات أخرى عظام: من سوء المزاج ويبسه، وانحراف النفس، وجفاف الرطوبات المعينة على الفهم والعمل، ويورث أمراضا متلفة لا ينتفع صاحبها بقلبه ولا بدنه معها، وما قام الوجود إلا بالعدل، فمن اعتصم به فقد أخذ بحظه من مجامع الخير،

هذا المنشور نشر في مشروع إحياء الربانية, دعوى, سلسلة تربوية. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s