درجات التوكل….

image

الإمام القشيري أحد أئمة الصوفية له كتاب في تفسير القرآن بعنوان لطائف الإشارات….
يمكن لمن أراد أن يتعرف على المزيد عن القشيري وكتابه لطائف الإشارات دخول الرابط http://daharchives.alhayat.com/issue_archive/Hayat%20INT/2000/6/30/%D9%84%D8%B7%D8%A7%D9%8A%D9%94%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%95%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D9%84%D9%82%D8%B4%D9%8A%D8%B1%D9%8A-%D8%B3%D8%B9%D9%89-%D9%84%D8%A7%D9%83%D8%AA%D8%B4%D8%A7%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%95%D8%B4%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A9.html
للقشيري في كتابه في مواضع كثيره إشارات رائعه وخاصه في أحوال القلوب واقتبس هنا إشارات من تفسيره لقوله تعالى في سوره الفرقان :
{ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا}
التوكل تفويض الأمور إلى الله. وحقه وأصله علم العبد بأن الحادثات كلها حاصلة من الله تعالى، وأنه لا يقدر أحد على الإيجاد غيره.
فإذا عرف هذا فهو فيما يحتاج إليه- إذا علم أن مراده لا يرتفع إلا من قبل الله- حصل له أصل التوكل. وهذا القدر فرض، وهو من شرائط الايمان، فإن الله تعالى يقول:
«وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين» »

وما زاد على هذا القدر- وهو سكون القلب وزوال الانزعاج والاضطرار- فهى أحوال تلحق بالتوكل على وجه كماله.
فإن تقرر هذا فالناس فى الاكتفاء والسكون على أقسام، ولكل درجة من هذه الأقسام اسم: إما من حيث الاشتقاق، أو من حيث الاصطلاح.
أول رتبة فيه أن يكتفى بما فى يده، ولا يطلب زيادة عليه، ويستريح قلبه من طلب الزيادة.. وتسمى هذه الحالة القناعه  وفيها يقف صاحيها حيث وقف، ويقنع بالحاصل له  فلا يستزيد. ثم اكتفاء كل أحد يختلف  فى القلة والكثرة، وراحة قلوب هؤلاء فى التخلص من الحرص وإرادة الزيادة.
ثم بعد هذا سكون القلب فى حالة عدم وجود الأسباب، فيكون مجردا عن الشيء، ويكون فى إرادته متوكلا على الله. وهؤلاء متباينون فى الرتبة، فواحد يكتفى بوعده لأنه صدقه فى ضمانه، فيسكن- عند فقد الأسباب- بقلبه ثقة منه بوعد ربه.. ويسمى هذا توكلا، ويقال على هذا: إن التوكل سكون القلب بضمان الرب، أو سكون الجأش فى طلب المعاش، أو الاكتفاء بوعده عند عدم نقده، أو الاكتفاء بالوعد عند فقد النقد.
وألطف من هذا أن يكتفى بعلم أنه يعلم حاله فيشتغل بما أمره الله ويعمل على طاعته ولا يراعى إنجاز ما وعده بل يكل أمره إلى الله.. وهذا هو التسليم.
وفوق هذا التفويض ، وهو أن يكل أمره إلى الله، ولا يقترح على مولاه بحال، ولا يختار ويستوى عنده وجود الأسباب وعدمها فيشتغل بأداء ما ألزمه الله ولا يفكر فى حال نفسه ويعلم أنه مملوك لمولاه والسيد أولى بعبده من العبد بنفسه  فإذا ارتقى عن هذه الحالة، وجد راحة فى المنع واستعذب ما يستقبله من الرد.. وتلك هى مرتبة الرضا ويحصل له فى هذه الحالة من فوائد الرضا ولطائفه مالا يحصل لمن دونه من الحلاوة فى وجود المقصود.
وبعد هذا الموافقة وهى ألا يجد الراحة فى المنع، بل يجد بدل هذا عند نسيم القرب زوائد الأنس بنسيان كل أرب، ونسيان وجود سبب أو عدم وجود سبب فكما أن حلاوة الطاعة تتصاغر عند برد الرضا- وأصحاب الرضا يعدون ذلك حجابا- فكذلك أهل الأنس بالله.. بنسيان كل فقد ووجد، وبالتغافل عن أحوالهم فى الوجود والعدم يعدون النزول إلى استلذاذ المنع، والاستقلال بلطائف الرضا نقصانا فى الحال.
ثم بعد هذا استيلاء سلطان الحقيقة فيؤخذ العبد عن جملته بالكلية، والعبارة عن هذه الحالة أنه يحدث الخمود والاستهلاك والوجود والاصطلام والفناء.. وأمثال هذا، وذلك هو عين التوحيد، فعند ذلك لا أنس ولا هيبة، ولا لذة ولا راحة، ولا وحشة ولا آفة.
هذا بيان ترتيبهم  . فأما ما دون ذلك فالخبر عن أحوال المتوكلين- على تباين شربهم- يختلف على حسب اختلاف محالهم.
فيقال شرط التوكل أن يكون كالطفل فى المهد لا شىء من قبله إلا أن يرضعه من هو فى حضانته .
ويقال التوكل زوال الاستشراف، وسقوط الطمع، وفراغ القلب من تعب الانتظار.
ويقال التوكل السكون عند مجارى الأقدار على اختلافها.
ويقال إذا وثق القلب يجريان القسمة لا يضره الكسب، ولا يقدح فى توكله  .
ويقال عوام المتوكلين إذا أعطوا شكروا، وإذا منعوا صبروا. وخواصهم إذا أعطوا آثروا، وإذا منعوا شكروا.

ويقال الحق يجود على الأولياء- إذا توكلوا- بتيسير السبب من حيث يحتسب ولا يحتسب، ويجود على الأصفياء بسقوط الأرب … وإذا لم يكن الأرب فمتى يكون الطلب؟
ويقال التوكل فى الأسباب الدنيوية إلى حد، فأما التوكل على الله فى إصلاحه- سبحانه- أمور آخرة العبد فهذا أشد غموضا، وأكثر خفاء. فالواجب فى الأسباب الدنيوية أن يكون الشكون عن طلبها غالبا، والحركة تكون ضرورة  أفأما فى أمور الآخرة وما يتعلق بالطاعة فالواجب البدار والجد والانكماش، والخروج عن أوطان الكسل والجنوح إلى الفشل.
والذي يتصف بالتواني فى العبادات، ويتباطؤ فى تلافى ما ضيعه من إرضاء الخصوم والقيام بحق الواجبات، ثم يعتقد فى نفسه أنه متوكل على الله وأنه- سبحانه- يعفو عنه فهو متهم معلول الحال، ممكور مستدرج، بل يجب أن يبذل جهده، ويستفرغ وسعه.
ثم بعد ذلك لا يعتمد على طاعته، ولا يستند إلى سكونه وحركته، ويتبرأ بسره من حوله وقوته. ثم يكون حسن الظن بربه، ومع حسن ظنه بربه لا ينبغى أن يخلو من مخافته، اللهم إلا أن يغلب على قلبهما يشغله فى الحال من كشوفات الحقائق عن الفكرة فى العواقب فإن ذلك- إذا حصل- فالوقت غالب، وهو أحد ما قيل فى معانى قولهم: الوقت سيف

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

رد واحد على درجات التوكل….

  1. يقول منال:

    توكلنا علی الحي الذي لا يموت و فوضنا الامر له سبحانه و احسن الظن به تعالی راجيين عفوه و رحمته و غفرانه و ان يرضی علينا و عليكم و يرزقنا بحسن الخاتمة … جزيت خيرا يا دكتور مقال رائع جدا

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s