منزلة التذكر…. قرآءة في كتاب مدارج السالكين

image

نعيش هذه التدوينة مع منزلة التذكر
قال تعالى {وما يذكر إلا أولو الألباب}
يقول ابن القيم :
التذكر والتفكر منزلان يثمران أنواع المعارف، وحقائق الإيمان والإحسان، والعارف لا يزال يعود بتفكره على تذكره، وبتذكره على تفكره، حتى يفتح قفل قلبه بإذن الفتاح العليم،
وقال الحسن البصري: ما زال أهل العلم يعودون بالتذكر على التفكر، وبالتفكر على التذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت
والتذكر تفعل من الذكر، وهو ضد النسيان، وهو حضور صورة المذكور العلمية في القلب، واختير له بناء التفعل لحصوله بعد مهلة وتدرج، كالتبصر والتفهم والتعلم.
فمنزلة التذكر من التفكر منزلة حصول الشيء المطلوب بعد التفتيش عليه، ولهذا كانت آيات الله المتلوة والمشهودة ذكرى، كما قال في المتلوة {ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب هدى وذكرى لأولي الألباب}

قال: وإنما تجتنى ثمرة الفكرة بثلاثة أشياء: بقصر الأمل، والتأمل في القرآن، وقلة الخلطة والتمني والتعلق بغير الله والشبع والمنام.

فأما قصر الأمل: فهو العلم بقرب الرحيل، وسرعة انقضاء مدة الحياة، وهو من أنفع الأمور للقلب، فإنه يبعثه على معاصفة الأيام، وانتهاز الفرص التي تمر مر السحاب، ومبادرة طي صحائف الأعمال، ويثير ساكن عزماته إلى دار البقاء، ويحثه على قضاء جهاز سفره، وتدارك الفارط، ويزهده في الدنيا، ويرغبه في الآخرة، فيقوم بقلبه إذا داوم مطالعة قصر الأمل شاهد من شواهد اليقين، يريد فناء الدنيا، وسرعة انقضائها، وقلة ما بقي منها، وأنها قد ترحلت مدبرة، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها صاحبها، وإنها لم يبق منها إلا كما بقي من يوم صارت شمسه على رءوس الجبال، ويريه بقاء الآخرة ودوامها، وأنها قد ترحلت مقبلة، وقد جاء أشراطها وعلاماتها، وأنه من لقائها كمسافر خرج صاحبه يتلقاه، فكل منهما يسير إلى الآخر، فيوشك أن يلتقيا سريعا.
ويكفي في قصر الأمل قوله تعالى {أفرأيت إن متعناهم سنين – ثم جاءهم ما كانوا يوعدون – ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون}

وقصر الأمل بناؤه على أمرين: تيقن زوال الدنيا ومفارقتها، وتيقن لقاء الآخرة وبقائها ودوامها، ثم يقايس بين الأمرين ويؤثر أولاهما بالإيثار.

وأما التأمل في القرآن فهو تحديق ناظر القلب إلى معانيه، وجمع الفكر على تدبره وتعقله، وهو المقصود بإنزاله، لا مجرد تلاوته بلا فهم ولا تدبر، قال الله تعالى {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب}
فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن، وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما، ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتشيد بنيانه وتوطد أركانه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله، وتعرفه ذاته، وأسماءه وصفاته وأفعاله، وما يحبه وما يبغضه، وصراطه الموصل إليه،
فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها، وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم. فتريه الحق حقا، والباطل باطلا، وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال، والغي والرشاد، وتعطيه قوة في قلبه، وحياة، وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا، فيصير في شأن والناس في شأن آخر
نواصل كتاب مدارج السالكين تدوينه قادمه أن شاء الله

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s