منزلة الإعتصام – 1.. قراءة في كتاب مدارج السالكين

image

يقول الإمام ابن القيم :
ثم ينزل القلب منزل الاعتصام.
وهو نوعان: اعتصام بالله، واعتصام بحبل الله، قال الله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا}
وقال {واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير}
والاعتصام افتعال من العصمة، وهو التمسك بما يعصمك، ويمنعك من المحذور والمخوف، فالعصمة: الحمية، والاعتصام: الاحتماء، ومنه سميت القلاع: العواصم، لمنعها وحمايتها.
ومدار السعادة الدنيوية والأخروية على الاعتصام بالله، والاعتصام بحبله، ولا نجاة إلا لمن تمسك بهاتين العصمتين.
فأما الاعتصام بحبله فإنه يعصم من الضلالة، والاعتصام به يعصم من الهلكة، فإن السائر إلى الله كالسائر على طريق نحو مقصده، فهو محتاج إلى هداية الطريق، والسلامة فيها، فلا يصل إلى مقصده إلا بعد حصول  الأمرين له،
فالاعتصام بحبل الله يوجب له الهداية واتباع الدليل، والاعتصام بالله، يوجب له القوة والعدة والسلاح، والمادة التي يستلئم بها في طريقه، ولذا جاءت معظم تفسيرات السلف لحبل الله بأنه دين الله أو القرآن

قال صاحب المنازل وهو الإمام الهروي :
الاعتصام بحبل الله هو المحافظة على طاعته، مراقبا لأمره.
ويريد بمراقبة الأمر القيام بالطاعة لأجل أن الله أمر بها وأحبها، لا لمجرد العادة، أو لعلة باعثة سوى امتثال الأمر، كما قال طلق بن حبيب في التقوى: هي العمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله.
وأما الاعتصام به فهو التوكل عليه، والامتناع به، والاحتماء به، وسؤاله أن   يحمي العبد ويمنعه، ويعصمه ويدفع عنه، فإن ثمرة الاعتصام به هو الدفع عن العبد، والله يدافع عن الذين آمنوا، فيدفع عن عبده المؤمن إذا اعتصم به كل سبب يفضي به إلى العطب، ويحميه منه، فيدفع عنه الشبهات والشهوات، وكيد عدوه الظاهر والباطن، وشر نفسه، ويدفع عنه موجب أسباب الشر بعد انعقادها، بحسب قوة الاعتصام به وتمكنه

وأما صاحب المنازل فقال: الاعتصام بالله الترقي عن كل موهوم.
الموهوم عنده ما سوى الله تعالى، والترقي عنه الصعود من شهود نفعه وضره وعطائه ومنعه وتأثيره إلى الله تعالى

وهو على ثلاث درجات:
الدرجه الاولى وهو اعتصام العامة بالخبر، استسلاما وإذعانا، بتصديق الوعد والوعيد، وتعظيم الأمر والنهي، وتأسيس المعاملة على اليقين والإنصاف.

يعني أن العامة اعتصموا بالخبر الوارد عن الله، استسلاما من غير منازعة، بل إيمانا واستسلاما، وانقادوا إلى تعظيم الأمر والنهي والإذعان لهما، والتصديق بالوعد والوعيد، وأسسوا معاملتهم على اليقين، لا على الشك والتردد، وسلوك طريقة الاحتياط،
وأما الإنصاف الذي أسسوا معاملتهم عليه فهو الإنصاف في معاملتهم لله ولخلقه.
فأما الإنصاف في معاملة الله فأن يعطي العبودية حقها، وأن لا ينازع ربه صفات إلهيته التي لا تليق بالعبد ولا تنبغي له من العظمة، والكبرياء، والجبروت.
ومن إنصافه لربه أن لا يشكر سواه على نعمه وينساه، ولا يستعين بها على معاصيه، ولا يحمد على رزقه غيره، ولا يعبد سواه، كما في الأثر الإلهي: «إني والجن والإنس في نبإ عظيم أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي،»  وما هذا من الإنصاف.
وأما الإنصاف في حق العبيد فأن يعاملهم بمثل ما يحب أن يعاملوه به.
نستكمل باقي درجات منزله الاعتصام في تدوينة أخرى قادمة أن شاء الله

هذا المنشور نشر في عام. حفظ الرابط الثابت.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s